كشفت "شعبة المكافحة البرية" في جمارك بيروت أمام الإعلاميين والصحافيين الخميس، عن وجود مصنع في منطقة عوكر لتصنيع أدوية منشطة جسديا وجنسيا.
وأعلن المدير العام للجمارك بالوكالة شفيق مرعي أنه تم الخميس اعتقال صاحب المعمل ويدعى ب. ك. مع شخص آخر وجرى التحقيق معهما. إلا ا نه ولدى السؤال عن صاحب المعمل، علم أنه تم الإفراج عنه بسند إقامة، لأن قانون العقوبات يصنف تزوير الأدوية في خانة الجنحة.
وقال مرعي في مؤتمر صحافي عقده، إنه للمرة الأولى في لبنان، يتم الكشف عن مصنع كامل لتصنيع الأدوية، بعدما استغرقت عملية ملاحقة صاحب المعمل ما يقارب الستة أشهر، مضيفاً: "الحبل على الجرار".
ودعا المواطنين الذين يملكون معلومات عن عمليات تزوير تجري مهما كان نوعها إبلاغ مديرية الجمارك بذلك، مؤكدا أنه سيضع خطه الهاتفي في تصرف المواطنين. وأعلن أن المديرية سوف تضمن الحفاظ على سرية اسم المواطن الذي يدلي بالمعلومات كي لا يطاله أي أذى، كما ستعمل على حفظ حقه بمكافأة مالية قررها القانون هي كناية عن ثلث الغرامة التي يدفعها المزور، موضحا أن المكافأة قد تصل أحيانا إلى ملايين الليرات.
واستنادا إلى المعطيات التي تم الحصول عليها من عناصر شعبة المكافحة في الجمارك الذين شاركوا في ملاحقة صاحب المعمل، فإن عملية الملاحقة بدأت بعد إخبار قدمه أحد المواطنين عن وجود شخص يشتبه فيه أنه يبيع أدوية مهربة.
وتبين أن الشخص الذي يدعى ب. ك. يقيم في منطقة فرن الشباك، وله من العمر ثمانية وثلاثون عاما، كان موظفا في أمن الدولة، وبقي في وظيفته مدة عشر سنوات، ثم أحيل إلى التقاعد، وفتح معملا في منطقة عوكر لتصنيع الأدوية.
وقد خصصت شعبة المكافحة مجموعة عناصر لمراقبة الشخص والتأكد من صحة المعلومات التي أفاد المواطن بها، فتولى أولئك العناصر مراقبة تحركاته وتنقلاته، عن طريق انتحال صفات شخصيات مختلفة، فانتحل أحدهم شخصية سائق تاكسي، والثاني ناطور مبنى في عوكر، والثالث شخصية بائع كعك متجول، فيما شاركهم آخرون بالمراقبة بشكل متخف، ونام بعضهم قرب منزله، لمعرفة ما إذا كان يخرج ليلا.
يوم الأحد الذي سبق اعتقاله، قضى ب. ك. طوال النهار في الشقة في عوكر، وبقي عناصر شعبة المكافحة ينتظرون خروجه، لكنهم لم يقدموا على اعتقاله لأنهم كانوا يريدون الحصول على المعلومات الكاملة عن عمله. وأوضح أحد العناصر أن صاحب المعمل كان يخرج كل مرة من الشقة حاملا معه إما حقيبة وإما كيسا، لكنه الخميس في الحادي عشر من شباط حمل بضائع في علب كرتونية من منزله في فرن الشباك إلى محله، فجرى اعتقاله.
بعد الاعتقال قال لعناصر الشعبة: "يبدو أن القصة انكشفت"، واعترف بأنه يصنع أدوية، فداهمت الشعبة المعمل والمستودع في عوكر وتم ختمهما بالشمع الأحمر، كما داهمت محله في فرن الشباك ومنزله ومنزل أهله، وكان يخزن فيها جميعها الأدوية.
ولفت رئيس شعبة المكافحة البرية في جمارك بيروت المقدم خضر الجمل إن صاحب معمل الأدوية كان شديد الحذر في تصرفه، بوصفه كان يقوم بعمل غير شرعي. فلدى انتقاله إلى عوكر مثلا، كان يوقف سيارته في مكان بعيد عن المبنى الذي فيه المعمل، ثم يأتي سيرا على الأقدام، ويدخل مبنى مجاورا للتمويه، وبعد ذلك ينتقل إلى المعمل.
وأشار الجمل أن خطورة عمل الموقوف ليست فقط في تصنيع الأدوية المنشطة، بل في إمكانية تصنيع أدوية خاصة بالأمراض الكبرى أو إمكانية قيام أشخاص غيره بتصنيعها، لذلك، يجب تنظيم حملة كبرى لمراقبة عملية استيراد الأدوية وبيعها في السوق.
ووصف وزير الصحة محمد خليفة لـ"السفير" تلك الأدوية بأنها عبارة عن "خلطة خاصة وعجيبة، مزج فيها صاحبها بين الأنسولين والكورتيزون والطحين والحليب ومواد هرمونية أخرى، وأخذ يبيعها إلى الأندية الرياضية وبعض الصيدليات، بعدما اشترى آلة لتحويل الخليط الذي يمزجه إلى حبوب، ثم اتفق مع إحدى المطابع على طبع العلب الكرتونية الخاصة بالأدوية، واشترى علبا زجاجية لوضعها فيها."
وأشار خليفة إلى ان تلك الأدوية لا يمكن وصفها بالمزورة لأنها خليط خاص بصاحبها لا تشبه أدوية موجودة في السوق لكي يتم تقليدها، أو تزويرها. وحذر الشباب من استخدام المنشطات، سواء كانت مزورة أو غير مزورة لأنها شديدة الضرر على الصحة.
وفي مكتبها قرب المرفأ، عرضت شعبة المكافحة أمام الإعلاميين والصحافيين عينات من الأدوية، وهي لا تختلف في شكلها وأغلفتها عن أدوية يمكن بيعها، وبينها منشط "جنسنغ" المعروف الذي تباع العبوة الأصلية منه بما يقارب الأربعين دولارا، وهناك أدوية تباع العلبة منها بمئة دولار. وقد فوجئت شعبة المكافحة بوجود دواء efedrin arsan الممنوع عالميا.
بعد المكتب، انتقل الاعلاميون والصحافيون إلى معمل عوكر بمرافقة رئيس الشعبة المقدم خضر الجمل، وهناك كانت أكياس البودرة البيضاء موضوعة على الأرض، ويبدو أنه تم تهريبها من الخارج، كما توقع عناصر الجمارك، فيما وضعت على الرفوف أوعية وأكياس بلاستيكية تحتوي على أدوية مصنعة.
وفي إحدى الغرف، وضع صاحب المعمل آلة التصنيع: يأخذ كميات من البودرة ويضعها في الآلة التي تحتوي على مقاييس مختلفة لصب الحبوب، بأشكال وألوان وأحجام تشبه الحبوب الأصلية. ويتم تلوين الحبوب ببودرة ملونة يجري خلطها مع البيضاء. وقد وضعت تلك البودرة في قنان زجاجية وبلاستيكية. كما وجدت قنان تحوي مواد سائلة وهي ملونة أيضا بألوان مختلفة. تعبأ السوائل في حقن خاصة، وتباع على أنها حقن منشطة.
وما دام تزوير الأدوية يتم بتلك السهولة، لا يستبعد عناصر الجمارك الذي جرى الحديث معهم أن يكون ذلك النوع من المعامل منتشرا في أكثر من مكان على الأراضي اللبنانية. ويقول المقدم خضر إن ملاحقة معمل وضبطه ليست بالعملية السهلة فهي مسألة طويلة وتستدعي المراقبة والملاحقة.
وأفاد الجمل أن صاحب المعمل ربما يكون مرتبطا بمافيا في الخارج، مشيرا إلى طريقة التصنيع التي لا تنقصها الجودة، ويلزمها خبير، بينما لم يشاهد في المعمل سوى صاحبه. ويبدو أن إحدى طرق تعلمه تصنيع الأدوية كانت عن طريق مواقع خاصة على الإنترنت.