
إنهم ثالوث الممانعة، ثالوث الصمود والتصدي والمقاومة … ثالوث الرأس الايراني النووي وجعبته النفطية، ودبلوماسية إقتناص الفرص السورية واللعب على التناقضات الدولية والرقص على حافة الهاوية، وحطب الثورة "الالهي".
قد يكون المشهد مشروعاً في السياسة لو أنه يجمع بين ثلاث دول، ولكنه "فجور" سياسي ان يحاول بعضهم التفرد بقرار وطنه وتحويلّه ورقة في لعبة المصالح الاقليمية والدولية. وربما قد يكون مقبولاً لو إلتقى امين عام "حزب الله" حسن نصرالله الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد خلال زيارة يقوم بها الى بيروت، ولكن أن يذهب الى دمشق للقائه فالخطوة مستهجنة من حيث الشكل والمضمون.
الخطوة بالطبع مستهجنة من كل من يرفض إنتهاك الشخصية المعنوية للدولة اللبنانية وبالتالي أن تكون دمشق "محجّاً" لبعض الساسة اللبنانيين وبوابتهم الى العالم – ولو كان العالم الممانع -، وإن كانت هذه الخطوة أكثر من طبيعية عند من يفتخر أنه "فرد في ولاية الفقيه". فمبدأ العلاقات الندية بين الدول هو قاعدة مقدسة لصون سيادة واستقلال كل منها واي تبعية من طرف لآخر او فوقية تحولها الى علاقات خنوع، فكيف بالحري إن كانت هذه الدول تنسج علاقات فردية مع فرقاء داخل الدول الاخرى فتشكل تهديداً على هويتها وتؤثر على قرارها السياسي؟! الامر يتخطى التدخل بشؤون الآخر ليصبح إحتلالا مبطّنا.
من مصلحة سوريا بعدما نجحت بكسر العزلة التي تعيشها عن الغرب أكان عبر إعادة واشنطن تعيين سفير لها في دمشق للمرة الاولى بعد قطع العلاقات على مستوى السفراء بعيد إغتيال الرئيس رفيق الحريري أو عبر زيارة رئيس وزراء فرنسي للمرة الاولى لها منذ العام 1977، من مصلحتها أن توطد علاقاتها مع إيران ما يتيح لها هامشا أوسع لتحركها السياسي. وتكون بذلك خير لاعب على التناقضات ومستفيد من الطرفين الايراني والغربي.
ومن مصلحة إيران المثقلة بضغط المجتمع الدولي للحد من طموحها النووي الجامح أن تكسب دعم سوريا في معركتها "الكونية"، فلطالما كانت لها السند سياسياً والمدى الحيوي جغرافياً.
ومن مصلحة سوريا وإيران أن يبقى "حزب الله" مقاومة مسلحة في وجه إسرائيل وأن تبقى جبهة الجنوب "مشتعلة مع وقف التنفيذ" ما يكسبهما ورقة إضافية قد تستفيد منها دمشق لتحسين شروطها في اي تفاوض مباشر أو غير مباشر مع تل أبيب، أو تستخدمها طهران لتخفيف الضغط الدولي عليها إذا ما ترجم حرباً مباشرة أو ضربات عسكرية إسرائيلية.
ولكن أين هي مصلحة لبنان؟!
أتكمن بأن يكون جنوبه الجبهة الوحيدة المفتوحة ضد إسرائيل؟ أم أن تكون أرضه ساحة حرب – كما تموز 2006 – تضرب البشر والحجر وتشلّ السياحة والاقتصاد، في حين أن صولات وجولات فرسان "الصمود والتصدي" لا تتخطى مرمح "الدعم الكلامي"؟ أمصلحته ان يعادي المجتمع الدولي ومعظم أشقائه العرب كرمى للجمهورية الاسلامية الايرانية وسوريا البعثية؟
بالامس القريب إتصل أحمدي نجاد بنصرالله طالباً منه "أن يكون الجهوز على مستوى إزالة الصهاينة من المنطقة والتخلص منهم الى الأبد"، فلبى الاخير النداء وأعلن في مؤتمره الصحافي جهوزيته الكاملة وفق معادلة "تل ابيب مقابل الضاحية ومطار بن غوريون مقابل مطار رفيق الحريري الدولي". وبالامس أطل نجاد والاسد معاً من دمشق ليعلنا أمر اليوم: " دعم المقاومة واجب أخلاقي ووطني وشرعي … الصهاينة وحماتهم وصلوا الى طريق مسدود … التطورات في العالم ستكون لمصلحة إيران وسوريا والشعوب والحكومات الحرة … كل شعوب المنطقة وفي مقدمتها سوريا وإيران ولبنان والعراق وجميع الشعوب سيقفون في وجه هذا الكيان …"، وسارع نصرالله الى سماعه بشكل مباشر عبر صعوده الى دمشق.
زجّ أمين عام "حزب الله" لبنان في المحور السوري – الايراني خطوة متهورة على وقع قرع طبول الحرب المتصاعد في المنطقة، وحشر احمدي نجاد والاسد نصرالله في الصورة لتكريسه "مفوّضاً سامياً" لثنائيتهما في لبنان، لن يبدل المشهد ويجعله ثالوثا رئاسيا ويمحو الاهانة التي خلفها تصرف نجاد والاسد بحق الرئاسة اللبنانية الاولى، وأي صورة رئاسية تجمع طهران ودمشق ببيروت لن تكون نقية وسيادية ما لم يكن ثالث الاسد واحمدي نجاد هو الرئيس ميشال سليمان، إن إقتضت مصلحة لبنان هذه الصورة.