بدا بعض الصحافة السورية أصدق من "الوسطاء" اللبنانيين الحلفاء لدمشق حين افصح قبل ايام، وفي معرض الانتقادات لحديث ادلى به الرئيس سعد الحريري الى صحيفة "كورييرا دو لا سييرا" الايطالية، عن الرؤية الحقيقية السورية للجانب الشخصي الذي توخته دمشق من زيارة الحريري للعاصمة السورية.
بطبيعة الحال يمكن اخذ هذه الانتقادات على محمل الجد من زاوية إغضاب الحريري لدمشق لكونه قارن حقبة الانكار السوري للاستقلال اللبناني بالانكار العراقي لسيادة الكويت، فالتاريخ في كلا الحقبتين لا يخرج عن واقع الدول الضعيفة التي ترزح تحت وطأة طموحات جيرانها الاقوياء.
وهو واقع لا يقتصر لا على لبنان ولا على الكويت وسواهما من دول المنطقة، فثمة في اوروبا دول رزحت عقودا وقرونا في منظومة غاشمة وظالمة كهذه. وكما لا تهوى دمشق التذكير بهذه الحقيقة، ثمة دول كثيرة، غربية وشرقية، تجاوزت الوقوف عند اطلال الماضي.
كان يمكن هذه الانتقادات السورية إذن ان تشكل جانبا ايجابيا من عتب لو جاءت ضمن نهج متماسك كامل في اثبات تعامل منفتح على "الصفحة الجديدة" بكل عناصرها، حتى من مثل خلاف على توصيف حقبة سابقة، غير ان توسل الانتقادات ظاهرا لهذا "الذنب" الحريري، لإبراز البعد الشخصي لزيارته لدمشق واعلائه بهذا الشكل للمرة الاولى، يستدعي احاطة اوسع بمغزى الحملة خصوصا انها شكلت في جانب آخر منها محاكاة حرفية، ان لم نقل تبنيا كاملا لخطاب قوى 8 آذار عقب احياء الذكرى الخامسة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الفائت.
في كلا المحطتين، جرى التركيز السوري، كما لدى حلفاء سوريا في لبنان، على اثقال الحريري بتبعة حلفائه وفريقه في قوى 14 آذار. تختلف النبرة مع الحريري باتباع ذروة المرونة، حتى في العتب، وترتفع حدتها حتى الذروة في مواجهة حلفائه الآخرين حتى من ضمن حلقته المباشرة. معنى ذلك ان ثمة ما لم يكشف حتى هاتين المحطتين في جدول الشروط الخفي لتسهيل مهمة "رئيس وزراء لبنان" وجعله يقلع بالحد الادنى المعقول في مهمته و"حكومة الوحدة الوطنية"، وهو "حل" فريق 14 آذار حلا نهائيا وناجزا وفك عراه عن بكرته.
"يصادف" ان يتزامن ظهور رأس جبل الجليد هذا مع تجمع كثيف لغيوم اقليمية في سماء لبنان منذرة في حدودها القصوى باشتعال مواجهات عسكرية جديدة على ارضه، وفي حدودها الدنيا باعادة تقييده وتركه نهبا للمخاوف والعدادات التنازلية الافتراضية لشتى انواع الاحتمالات السلبية. وفي كلا الحالين يُطْبِق مناخ الضغوط الاقليمية كما دفتر الشروط الخفي على حكومة تقترب من شهرها الرابع ولا تزال مصابة بعاهة التعجيز والعجز، وليس غريبا والحال هذه ان يبدأ الحريري نفسه باطلاق صفارات الانذار المبكرة، على غرار ما نقل عنه في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء ولو بصورة منمقة وشديدة التحفظ.
معنى ذلك ان البعد الاشد وضوحا من كل مداراة ولياقات، ان الدفة الداخلية بدأت بالاهتزاز تحت وطأة حسابات ومصالح أغلبها وافد عبر الحدود. وهو اهتزاز بدأ عقب محطة 14 شباط تحديدا بدليل ان "ادبيات" الحملة على حلفاء الحريري صارت كأنها الخطاب الجديد لمعالم الحقبة الحالية والمقبلة، ولن تكون العوامل الاقليمية الطارئة سوى روافد ومقويات لتعميم هذه الادبيات وتوسيعها في اطار تقييد الحكومة ورئيسها.
وارتفاع وتيرة التوترات في ضوء التهديدات الاسرائيلية و"قمة الردود" عليها في دمشق من سوريا وايران و"حزب الله"، تضع لبنان واقعيا في عين العاصفة، سواء هبّت رياحها ام ظلت راكدة، وباعتبار ان مفاعيل هذا التصعيد وحدها قد تكون كفيلة بشلّ العافية الاقتصادية والاستثمارية في البلاد حتى من دون حرب. يضاف الى ذلك ان مناخا كهذا يفاقم خطاب الممنوعات والمحظورات بغية حشر رئيس الحكومة في احراج ينجم عن اتخاذه اي موقف لمصلحة السيادة اللبنانية المطلقة خصوصا في مسألة قرار الحرب والسلم.
وبذلك لا يعود ممكنا تجاوز تساؤلات جوهرية: لماذا صرفت الاشهر الاربعة من عمر الحكومة كأنها دوران في الهواء؟ وهل حصل "سوء فهم" تاريخي بين دمشق والحريري حول "الشخصي" و"العام" في زيارته الدراماتيكية لسوريا؟ وهل كان مطلوبا ان يكون 14 شباط 2010 تاريخ استسلام 14 آذار؟ وهل لدى احدهم اي تفسير آخر؟