لتوقيت والتشابك مع مجلس الوزراء أبرز المحاذير
هيئة الحوار بين القرار الإيجابي والاحتمالات الحذرة
يظهر اعلان رئاسة الجمهورية تشكيل الهيئة الجديدة للحوار حول الاستراتيجية الدفاعية مناسبا في الشكل، غداة تبادل كرة التهديدات بالحرب من فوق رؤوس اللبنانيين بين ايران وسوريا من جهة واسرائيل من جهة اخرى. وهو بهذا المعنى يبدو ردا على محاولات اخذ لبنان في اتجاهات لا يستطيع الوقوف في وجهها وان لم تكن هذه نية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في الواقع، وهو لن يكون في هذا الوارد ابدا، علما انه اعلن مرارا في الشهرين الاخيرين قرب اتخاذه قرار اعلان تشكيل الهيئة، واستغرق وقتا طويلا في بحث اسماء الاعضاء الذين سيجلسون حول طاولة الحوار الجديدة بعد الانتخابات النيابية في حزيران الماضي. لكن بعضهم كان يفضل لو انه استبق موقف الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون والتقرير الجديد عن القرار 1701 وبادر الى اعلان تشكيل الهيئة لئلا يعتبر احد ان اختياره التوقيت اتى تلبية لرغبة دولية او خضوعا لها وفق التفسيرات التي يغالي بها بعضهم سياسيا واعلاميا ويحاول توظيفها لغايات واهداف عدة.
و اجتماعات الهيئة الحوارية تبدو امرا مطلوبا، لا بل ملحا على اكثر من مستوى محلي وخارجي ولحماية لبنان من الضغوط الدولية عليه. لكن ثمة من يخشى ان يطيح توقيت اعلان تشكيل الهيئة الزخم المطلوب، علما ان عملها ليس للغد او ما بعده، وقد يستغرق وقتا طويلا وربما سنوات، ذلك ان "حزب الله" لم يذهب الى دمشق بشخص امينه العام السيد حسن نصرالله ليقف جنبا الى جنب مع الرئيسين السوري والايراني بشار الاسد واحمدي نجاد من ضمن استراتيجية مواجهة في المدى المنظور على الاقل ثم يجلس الى طاولة الحوار في هذا المدى الزمني لمناقشة مصير السلاح لدى الحزب او حتى للبحث في وضعه تحت سلطة الدولة اللبنانية وقرارها بالحرب او السلم، في حين ان هذا القرار هو اقليمي بامتياز وفقا لموقف الحزب في معادلة دمشق الاسبوع الماضي. وهذه التطورات الاخيرة تجعل هيئة الحوار مؤجلة على اقل تقدير، وفق خشية بعضهم، او هي هيئة لتضييع الوقت لان لا فرصة امامها للبدء في بحث الاستراتيجية الدفاعية، وذلك لئلا يعطي الحزب رسائل في غير محلها عن انضوائه من ضمن المعادلة اللبنانية الداخلية او عن نية اخضاع سلاحه لهذه المعادلة في الظروف الراهنة.
وهذا لا يعني بالنسبة الى المتابعين السياسيين ان رئيس الجمهورية يتعين عليه انتظار الظروف الملائمة لتشكيل الهيئة، على رغم ان بعضهم يرى نقيض ذلك، لكن هناك تحفظات كثيرة منها على طبيعة المشاركين وتوزيعهم السياسي والطائفي الذي يوحي ان ثمة تأثيرات اقليمية في اتجاهات معينة في بعض رموزها خصوصا، ومنها ان رئيس الجمهورية لم يأخذ نتائج الانتخابات النيابية بين اكثرية واقلية في الاعتبار، بل اخذ فوز بعضهم وعدم فوزهم في الاعتبار، ثم ان هذا الاعلان يأتي غداة موقف لرئيس الحكومة سعد الحريري في مجلس الوزراء عبر فيه عن انزعاجه الشديد من التعطيل الذي تواجهه الحكومة والمزايدات، مما يجعل الهيئة الحوارية امام احتمالين: اما ان يدفع بها الى ان تكون بديلا من مجلس الوزراء اذ يشارك فيها عمليا المسؤولون مباشرة بدل ممثلين لهم فيتعطل مجلس الوزراء بذلك اكثر فاكثر. وهذا الامر يخشاه كثيرون في ظل دفع مسبق لتبحث على الطاولة كل الخلافات والشجون، في حين لا يطرح على مجلس الوزراء اي امر مصيري جدي، كما الحال بالنسبة الى مشاركة لبنان في القمة العربية الشهر المقبل، ويفرض على مجلس الوزراء مواقف استباقية من خارجه، او ان يدفع بها كخيار ثان الى ان تكون هيئة موازية لمجلس الوزراء تضيع في المراوحة والبحث العقيم واللاجدية في الوصول الى اي حل ايضا. ويكون هناك تاليا مستويان "للويا جيرغا" كما كان يتم الحديث قبل الانتخابات، اي مجلس وزراء للامور التقنية يخشى كثيرون انه بات شرطها للحياة والاستمرار ان تكون ميتة اي غير منتجة، وآخر اكثر اتساعا وشمولا مع ممثلين لا يسمح لهم تمثيلهم بان يكونوا في مجلس الوزراء للامور السياسية.
وكان يفضل هؤلاء لو ان رئيس الجمهورية انتظر الى ما بعد الانتخابات البلدية لكي يعرف ما اذا كانت ستجرى ام لا، فتأخذ الحكومة دفعا من هذه المسألة ويظهر ان البلد طبيعي في وجه من يحاول ان يظهر ان كل شيء فيه مؤجل ويحتاج الى توافق في كل شاردة وواردة ان لم يكن الى توافق اقليمي ايضا، كما ان عدم اجراء الانتخابات على رغم اصرار رئيس الجمهورية عليها يضعف موقفه مسبقا، وتاليا موقعه او رئاسته لطاولة الحوار منذ الآن، فضلا عن ان هناك خشية ان يؤدي تعطيل الانتخابات الى مرحلة من الاضطراب السياسي. اضف الى ذلك ان عدم اجراء الانتخابات وفق الشعار الذي يعمل بعضهم على تعميمه، اي ان الوفاق افضل من الانتخابات وتاليا ان الشلل الكلي افضل من الاختلاف السياسي على رغم ان الانتخابات البلدية في اي بلد ديموقراطي تكتسب معنى انمائيا اجتماعيا حتى لو خاضتها احزاب سياسية، وهذا يعني عمليا العجز عن الوصول الى اي نتيجة في امر اكثر خطورة ومصيرية هو الاستراتيجية الدفاعية. وهو امر يخشى ان يؤدي الى ان المؤسسات اللبنانية ليست متباطئة وتعمل على نار وفاقية بسيطة بل معطلة على كل الاصعدة.