شعور الرئيس سعد الحريري بأن شريكه في حكومة الائتلاف الوطني، لا يتصرّف وفق مفاهيم قيام الحكومات على قاعدة الوحدة الوطنية او الائتلاف الوطني، قياساً على مواقفه من ارقام موازنة العام 2010، ومن كارثة سقوط الطائرة الاثيوبية ومحاولات استغلاله سياسياً وطائفياً، لم يكن وحده الذي دفعه للقول بأن تجربة قيام حكومة ائتلاف وطني قد تكون الأخيرة التي تتم في لبنان، بل لأن الرئيس الحريري ربما يكون قد استعاد تجربة سلفه الرئيس فؤاد السنيورة، وما عاناه، وعانت معه البلاد من حكومتين اريد لهما ان تكونا حكومتين للشراكة والوحدة الوطنية، واذ بهما تتحوّلان الى كابوسين للتعطيل والتوتر والانقسام الوطني، واعتقاد الحريري بأن المعارضة السابقة التي اصبحت شريكاً في الحكم، بفضل انفتاح الحريري عليها ومد اليد اليها فور انتهاء الانتخابات النيابية في حزيران 2009 التي اعطت قوى 14 آذار أكثرية نيابية تسمح لها بتشكيل حكومة اكثرية وفقاً للدستور ولاحكام النظام الديموقراطي، قد تكون تعلّمت من اخطاء الماضي، من ان السلبية والفوقية ومحاولات الضغط والابتزاز السياسي، لا يمكن ان تبني وطناً، او تقيم دولة، او تؤمّن استقراراً وازدهاراً، ولكن على ما يبدو فان المعارضة السابقة مستمرة بالاسلوب ذاته الذي اتبعته منذ خمس سنوات، وهو يقوم على التشكيك، وافتعال الازمات، واحباط كل محاولة للتقدم والاصلاح، وفرض الارادات، بالاضافة الى حملات التهويل والتخوين والتهديد، والتي كانت في الايام القليلة الماضية سيدة الساحة السياسية والاعلامية، وكلّف بعض السياسيين، ممن مروّا مروراً عابراً في حياة لبنان السياسية، ونسيهم حتى ابناء مناطقهم، باطلاق هذه الحملات التي طاولت جميع مكوّنات 14 اذار، بدءاً بتيار المستقبل ورئىس الحكومة، وتوقفت كثيراً عند حزبي القوات اللبنانية والكتائب، لانهما العصب المسيحي الاقوى أولاً، ولأنهما لا يتنازلان ثانياً عن مبادىء واهداف وثوابت، حملهما اياها عشرات ألوف الشهداء، ومئات ألوف اللبنانيين.
*****
من يتابع على الشاشات، والاذاعات، وصفحات الجرائد، بعض ما يقال في حق قيادات 14 آذار، من تهديد ووعيد واتهامات، يظن بأن النظام الامني السابق الذي صنع هذه الابواق، وأغرق البلاد في حينه، بموجة من الارهاب والقمع والضرب والقتل، قد قام من سباته الاجباري، وعاد الى الحياة، ليحاسب الملايين الذين صنعوا انتفاضة الاستقلال، وجعلوا من يوم 14 آذار 2005 يوماً خالداً في تاريخ الشعب اللبناني، وفي تاريخ الشعوب المحبة للحرية والمناضلة في سبيل السيادة والاستقلال، ولا يعرف حتى الآن اسباب وقوف القضاء، مكتوف الايدي، امام شائعات واخبار واتهامات وتهديدات، يطالها القانون، فلا تتحرك نيابة عامة، او وزارة العدل او جهاز امني او مخابراتي، ليس بقصد حماية احد، بل تطبيقا للقانون وحماية للسلم الاهلي، فإذا كانت الاتهامات المساقة ضد بعض قيادات 14 آذار صحيحة، فليحاسبوا عليها وفقاً للقوانين المرعية الاجراء، وما من خيمة فوق رأس احد، اما اذا كانت كاذبة وبهدف الاساءة والتشهير، فليحاسب مطلقوها، الاّ اذا كان صوت قرقعة السلاح والشتيمة والتهديد اعلى واقوى من صوت الحق والعدالة والقانون.
***
في اسرائىل، الدولة العدوة الظالمة التي حوّلت منطقة الشرق الاوسط، الى مسلخ بشري منذ زرعها عضوا غريبا في الجسم العربي، لم تستطع عدوانية حكامها ودمويتهم خنق حرية الرأي فيها، وغالبا ما تكشف الصحافة الاسرائىلية اسرارا لاحداث شائنة اجرامية ارتكبتها حكومتهم، او اجهزتهم او ضباطهم وجنودهم، ولا تستطيع الحكومة شيئا حيال هذا الامر، لان القضاء يحمي حرية الرأي، على أقله بالنسبة الى الاسرائيليين، اما في لبنان البلد الديموقراطي الذي يعتبز بأنه الدولة العربية الوحيدة، كان وما زال، الاّ في فترات ظلامية قليلة، يقدّس الحرية في جميع اشكالها، يتعرض من يجاهر برأيه واقتناعاته، الى حملات هستيرية من الضغوطات والتهديدات التي اقترنت احيانا كثيرة بالفعل حيث استشهد العديد من اصحاب الرأي والفكر، ثمنا لايمانهم بقداسة الحرية.
متى يتم في لبنان، ولا اقول في العالم العربي، احترام القول المأثور الذي يعكس منتهى الانسانية لدى المخلوق البشري، فكيف به اذا كان موجودا لدى المسؤولين او القادرين:
«قد اخالفك الرأي في ما تقول، لكنني احمي بحياتي حريتك في ان تقول رأيك».
هل هناك من يسمع؟
