هل تناهى الى أسماع وانتباه بعض أطراف الحكومة ما قاله الرئيس سعد الحريري، وما يجب أن يسمعوه جيّداً، وما يشبه التنبيه والتحذير من التمادي في سياسات أكل الدهر عليها وشرب، ومن أساليب لم تعد خافية على قريب او بعيد، ومن لَعِبٍ على حبال الموالاة والمعارضة في صحن واحد، وفي آن واحد؟
وهل أدركوا فحوى التركيز على كشف الاعيب الـ"مع" والـ"ضد" في آن واحد، وخصوصاً بعدما اكتشف الحريري أن "شركاءه في الحكومة لا يرغبون في انجاح تجربة حكومة الوحدة الوطنية"، سواء على صعيد أولويات المواطنين وهي ملحة وضرورية، أم على الصعيد الاقتصادي بصورة خاصة؟
داخل مجلس الوزراء مع الحكومة ووحدة الصف والموقف والقرار، ومع السياسة الاقتصاديَّة لرئيس الوزراء، وفي الخارج شيء آخر تماماً. وقول آخر مناقض كليّا وبعيد كل البعد من الحقيقة والواقع. وموقف آخر، هدفه الأول والأخير المزايدات وذر الرماد في الأعين، والايحاء الى الناس بأنَّ الاولويات التي أدرجت في البيان الوزاري صارت في خبر كان.
ماذا، اذاً، وراء الأكمة، وخلف هذه الفبركات والخبريَّات والشائعات المقصود تعميمها واقناع اللبنانيين بها، وبأن كل الكلام وكل المساعي تدور في فلك زيادة الضريبة على القيمة المضافة.
من أين جاؤوا بهذه القصة العجيبة الغريبة التي لم تكن واردة في أي وقت، والتي يراد منها شلُّ مجلس الوزراء وأعماله وبرنامجه الانمائي، واحباط خطة السير حالاً وسريعاً بالمشاريع والقرارات التي تصب في مجرى أولويات الناس وهموم الناس؟
انها ماكينة التفقيس والتسريب ذاتها على ما يبدو، وقد أعيدَ ترميمها لمواكبة المرحلة الجديدة بكل ما لذَّ وطاب من الحرتقات، مضافة الى ما احيطت به الانتخابات البلدية، وما جبهت به التعيينات، وما حاصر قرار الاصلاح واعادة ترميم الدولة وتنظيفها من فساد المحاسيب والازلام.
فمن أوَّل الطريق لا من آخرها.
وفي ضوء كل هذه التصرُّفات الملتوية، وبعد الوضوح الذي التزمه سعد الحريري في ردِّه على ترويجات بعض أطراف الحكومة، يمكن قراءة بعض الأسباب ورؤية بعض العصي وهي تتكدَّس في دواليب الحكومة ودربها.
مثلما يمكن قراءة ما بين السطور، وما خلف هذه المماطلات والتعطيلات والاراجيح، والتي كشفت مصادفة عن نيَّات ورغبات تتعدَّى شلّ الحكومة، وربما نسفها، الى "نسف كل مقومات الاقتصاد اللبناني" في هذه الفترة الحرجة.
وكأنهم يعودون الى ممارسة الالاعيب ذاتها والازدواجيَّات ذاتها، وتلك التسريبات التي كانوا يمارسونها مع الرئيس رفيق الحريري، وخصوصاً حين يعود ظافراً من أحد المؤتمرات أو احدى الزيارات، ومحمَّلاً بالمشاريع والملايين لانماء لبنان واعماره.