حكومات "الوحدة الوطنية" أكدت رأي البطريرك صفير فيها
الحل بالديموقراطية أو بفصل النيابة عن الوزارة
تدخل الحكومة الحالية شهرها الرابع وهي لم تنجز شيئا مهما من بيانها الوزاري بعد اضاعة خمسة أشهر في الاتفاق على تأليفها لتكون حكومة "وحدة وطنية" اصرت قوى 8 آذار ومن وراءها على ان تكون كذلك تحقيقا للشراكة الوطنية الخادعة… وهي شراكة تحولها حكومة تصريف أعمال لا حكومة عمل.
وهذا العجز الذي تسجله حكومات من هذا النوع يؤكد قول البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير تكرارا إن مثل هذه الحكومات هي أشبه بحصانين يجران عربة، أحدهما يشد بها الى الوراء والآخر يشد بها الى الأمام، فتكون النتيجية ان العربة تبقى في مكانها ولا تتحرك… فلا حكومة الرئيس فؤاد السنيورة السابقة، التي كانت حكومة وحدة وطنية، سجلت نجاحا، وبات يخشى أن تكون حكومة الرئيس سعد الحريري مثلها لأن وزراء يشدون بعجلتها الى الامام ووزراء يشدون بها الى الوراء، وكأنه مطلوب ان تكون الحكومة في لبنان في ظل الوضع الشاذ محكومة وإلا فانها لا تحكم، وأن تكون حكومة ممسوكة من قوى 8 آذار ومن هم وراءها وإلا فانها لا تظل متماسكة.
هذه هي نتيجة تشكيل حكومات باسم "الوحدة الوطنية" والتي لا وحدة بين اعضائها، وهي في أحسن الاحوال تكون حكومات حوار لا حكومات قرار وتضع الناس بين خيارين: إما اتخاذ قرارات تهدد مصير الحكومة، وإما يكون الشلل الذي يبقي عليها وإن كان هذا الشلل شراً على الناس وعلى مؤسسات الدولة.
لقد فشلت الحكومة الحالية حتى الآن في معالجة ثلاثة مواضيع مهمة، فلو لم تكن مؤلفة على هذا النحو لكانت توصلت الى بتها ولم تتعرض من تأجيل الى تأجيل. وهذه المواضيع هي:
أولا: التعيينات الادارية والديبلوماسية والامنية التي كرر بعض الوزراء القول بألسنتهم حرصهم على مراعاة الكفاية والاختصاص والنزاهة فيها، وإذ تبين أنه يصعب مراعاة ذلك مع الحرص على المحاصصة لارضاء من يجب ارضاؤهم… وقبل الدخول في لعبة الاسماء اختلفوا على آلية اختيارها لئلا تطيح المحاصصة. فلو أن الحكومة كانت حكومة عمل لا حكومة ملل وشلل، أو كانت حكومة توازنات ايجابية لا حكومة توازنات سلبية تجمع الزيت والنار في وعاء واحد، لكانت التعيينات تمت باعتماد آلية سهلة جدا تقضي بأن يقترح كل وزير عددا من الاسماء لكل وظيفة من الفئة الاولى في وزارته بعد أخذ رأي هيئات الرقابة للتأكد من توافر الشروط المطلوبة للتعيين، ويطرح هذه الاسماء على مجلس الوزراء فإما يصير التوافق على اختيار اسم من هذه الاسماء لملء الوظيفة الشاغرة، واذا تعذر التوافق، تطرح الاسماء على التصويت، فمن ينال منها الاكثرية المطلوبة، أي الثلثان من عدد الوزراء الذين تتألف منهم الحكومة، يتقرر تعيينه. ذلك أنه اذا لم تتم التعيينات في أسرع وقت ممكن، فان الاصلاح الاداري لن يتحقق وعجلة الدولة لن تسير لتنفيذ المشاريع الانمائية التي تنهض بالوطن وتنعش المواطن بسرعة وشفافية.
ثانيا: الانتخابات البلدية والاختيارية، وهو موضوع لا يحتاج البحث فيه الى نقاش وجدل إلا لجهة ادخال تعديلات اصلاحية على قانون اجرائها، وليس لجهة موعد اجرائها وهو موعد ينبغي احترامه إلا اذا قضت ظروف قاهرة بتأخيره.
وهذه التعديلات الاصلاحية إما أن يصير اتفاق عليها كي تقر في مجلس النواب ضمن المهلة المحددة، وإما أن يؤجل بتها لتفادي تأجيل موعد الانتخابات. لكن الوزراء الذين يربطون اقرار التعديلات باجراء الانتخابات يريدون في الواقع تأجيل اجرائها لأسباب شتى، وكذلك الامر بالنسبة الى عدد من النواب. لذلك ما على الحكومة إلا أن تقر التعديلات التي يتفق عليها وتحيلها على مجلس النواب الذي له ان يوافق عليها أو على بعضها او يؤجلها اذا كان اقرارها سيؤخر اجراء الانتخابات في موعدها.
ثالثا: مشروع موازنة 2010 الذي يتعين درسه واقراره في أسرع وقت ممكن لئلا تظل الدولة تعتمد القاعدة الاثني عشرية وهي القاعدة التي ظلت تعتمدها مدى أربع سنوات بسبب عدم التوصل الى اتفاق على اقرار مشاريع الموازنة. لكن بعض الوزراء حوّلوا موازنات وزاراتهم الى مزايدات تحقيقا لمكاسب سياسية وشعبية فراحوا يرفعون أرقامها مع أنهم يعلمون ان ليس في امكان الواردات الضئيلة تغطيتها، فيضعون بتصرفهم هذا الحكومة ومعها مجلس النواب بين خيارين كلاهما مرّ، فاذا لم تتم الموافقة على أرقام موازنة مضخمة ألقى الوزراء أصحاب هذه الارقام المسؤولية على من لم يوافقوا عليها كي يبيضوا وجوههم امام الناس ويسوّدوا وجوه غيرهم، واذا صارت الموافقة عليها فان ذلك يتطلب زيادة الرسوم والضرائب، وهذه الزيادة تثير نقمة الناس لأنهم في وضع لا يستطيعون فيه تحمّل أي زيادة، فضلا عما يسبب ذلك من تضخم وارتفاع في قيمة الدين العام. وهذا ما جعل الرئيس الحريري يحذر من المزايدات ويعلن ان هذه الحكومة ستكون آخر حكومة وحدة وطنية اذا لم تنجز أولويات الناس.
الواقع ان تشكيل حكومات على هذا النحو وقبل الاتفاق على برنامج عملها يضع البلاد بين خيارين صعبين: اما تفضيل الشلل على اتخاذ قرارات لا توافق عليها، وإما اتخاذ القرارات بالاكثرية المطلوبة وتعريض البلاد لأزمات…
لذا ترى أوساط سياسية ان لا خروج من هذا الوضع الشاذ إلا باعتماد احدى هاتين الوسيلتين: العودة الى تطبيق النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، ويكون الشعب هو الذي يحاسب في الانتخابات النيابية، فيعيد الاكثرية أكثرية أو يحولها أقلية، واذا كان يتعذر تطبيق هذا النظام في ظل الطائفية البغيضة، فينبغي عندئذ الاسراع في إقرار مشروع يقضي بفصل النيابة عن الوزارة خصوصا بعدما ثبت أن وزراء غير نواب هم أكثر نجاحا وشفافية ونزاهة وتجردا من وزراء نواب كونهم يعملون لخدمة كل الناس من دون تمييز وتفرقة، وليس لخدمة فئة من الناس كونها من المحاسيب والأزلام وترتكب المخالفات القانونية من أجلهم.