#adsense

الحريري والسباحة عكس التيار

حجم الخط

"لا يغرك في درب الباطل كثرة الهالكين
ولا يوحشك في درب الحق قلة السالكين"
الإمام علي (كرّم الله وجهه)

ثمن النزاهة:

في أثناء دراستي في كلية الطب، وخلال امتحان مادة الطب النفسي، لاحظت أن مجموعة من الزملاء كانوا يغشون من خلال تبادل المعلومات أمام عيني البروفسور الوقور من دون أن يحرك ساكناً. فما كان مني إلا أن تقدمت من الأستاذ وشرحت له أن من يغشون في الامتحان قد يتسببون برفع معدل النجاح، وهذا يعني أن جزءاً ممن لم يشاركوا في عملية الغش قد يرسبون في الامتحان لهذه الأسباب.

فأجابني بالهدوء نفسه: "لما لا تغش أنت؟"، فأجبته بأنني أرغب بأن أكون متصالحاً مع نفسي. فقال لي مبتسماً: "اي إبني، من قال لك إن درب النزاهة سهل، فقد يكون ثمن تصالحك مع نفسك هو رسوبك بالامتحان وعليك أنت أن تختار!".

لم أرحب يومها بجواب أستاذي، ولكنني لاحقاً رأيتني أكرر الدرس نفسه على أولادي.
قد يكون من أصعب الأمور في العالم هو السباحة عكس التيار، خصوصاً إذا كان هذا التيار جارفاً، ولكنني كنت دائماً أفكر في سمك السلمون الذي سبح صعوداً ليضع بيوضه في أعلى مجرى النهر رغم كل المصاعب والمخاطر ليصل بعضه فتتجدد دورة الحياة.

السباحة عكس التيار:

وهذا بالضبط ما كان قد دأب عليه الرئيس الشهيد رفيق الحريري أثناء حياته، ففي الوقت الذي كانت فيه لغة الحرب هي السائدة في لبنان، اختار سلوك درب السلم والتوافق بدل أن يؤسس ميليشيا، ويوم كان التجهيل سيد الموقف قرر أن يسهّل درب العلم للجميع، فقد كان المطلوب منه وأن يسبح مع تيارات الطوائف ليصبح في أقصى طموحاته زعيماً من زعماء الطوائف اللبنانية المتعددة. ولكنه منذ اليوم الأول قرر تخطي الواقع المفروض وفتح قنوات التواصل مع كل الطوائف اللبنانية لعلمه وقناعته بأن هذه هي الوسيلة للمحافظة على الكيان اللبناني الذي كان وجوده أصلاً للحفاظ على تعددية مفقودة في باقي المنطقة مما جعلها تغرق في بحر الديكتاتوريات والتعصّب الأعمى.

لذلك فقد سعى، قدر ما مكنته الظروف، الى بناء الثقة بينه وبين مسيحيي لبنان. وبقدر ما كان يتمكن من بناء عوامل الثقة بقدر ما كانت دعاية النظام الأمني تمعن في وصفه بالتعصّب ومحاولة "أسلمة" لبنان. ومع كل ذلك، فقد رفض رفيق الحريري التراجع وبالتالي التقوقع ليصبح زعيماً سنياً في لبنان، لذلك فقد أبقى قنوات الود مفتوحة مع المرجعيات المسيحية كافة، وقد كانت المساعدات الكبيرة التي كان يقدمها للمؤسسات الإنسانية والتعليمية المسيحية بعض وجوه بناء الثقة. ولكن أحد أهم هذه المبادرات كانت العلاقة الخاصة التي بناها مع رأس الكنيسة الكاثوليكية من خلال الزيارات الدورية، والعائلية التي كان يقوم بها كتعبير عن التقدير الكبير والاحترام الذي يكنّه هذا المسلم الملتزم بدينه للمسيحية كدين، كاسراً كل التقاليد التي كانت تعبّر بشكل هامشي وأحياناً مسرحي عن هذا الشعور.

لقد كان المراد من هذا التصرف بناء سابقة في العلاقات الإسلامية المسيحية لتلقي بتأثيراتها على الوضع في لبنان أولاً، ولتكون مثلاً ومثالاً للعالم العربي والإسلامي قد يساهم في تخفيف شعائر التعصب ويفتح الباب لاحترام اختلاف الآخر والاعتراف بخصوصيته.

كل هذه المساعي، إن كانت ممكنة ومقبولة نسبياً قبل كارثة البرجين في نيويورك في 11 أيلول 2001، فقد أصبحت أكثر صعوبة بعد هذا التاريخ في ظل التعسكر ومنطق "الفسطاطين" الذي خيّم على العالم وفرزه بعد هذا التاريخ. ومع ذلك، فقد استمر رفيق الحريري، وبشكل أكثر إلحاحاً، في منطق التوفيق والتفاهم رغم خطورة هذا المسار في ظل منطق التكفير الذي ساد وأصبح أمراً واقعاً، وربما كان رفيق الحريري قد وضع نفسه بشكل واضح في موقع الإتهام من قبل التكفيريين الذين انتشروا كالطحالب في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

أما اليوم، فقد أتى دور سعد الحريري ليستكمل الدور الذي وضع معالمه والده الشهيد في حياته، فمع استمراره في بناء جسور الثقة بين الطوائف على المستوى المحلي، أتت زيارته الأخيرة للفاتيكان للتأكيد على النهج المنفتح الذي يسلكه سعد الحريري في التعريف عن الإسلام القابل للاختلاف والمحترم لحق الآخر بأن يعبد أو يعتقد على الطريقة التي تناسبه من دون خوف أو تحفّظ أو خجل في أي مكان وأي قطر في العالم.

أما على المستوى المحلي، فقد أتى الإصرار على مبدأ المناصفة الأبدية بين المسلمين والمسيحيين رغم التبدلات الديموغرافية لطمأنة المسيحيين في لبنان الى حين تطور المواطنية الى مرحلة يتجاوز فيها اللبنانيون منطق الطائفية. كما أن التضامن في قضية خفض سن 18 أتت لتعطي جرعة إضافية في عملية بناء الثقة. ولكن الخطوة الرمزية في إعلان عيد بشارة السيدة العذراء يوماً وطنياً كانت ربما الخطوة الأكثر جرأة وإقداماً والتي أراد من خلالها كسر جملة من المحرّمات الوهمية التي تراكمت في العقول على مدى التاريخ.

إن الهدف من هذه الخطوات هو استمرار بناء عوامل الثقة من خلال ليس فقط قبول الآخر على مضض، بل لتجاوز هذه المرحلة الى مراحل متقدمة بحيث يصبح كل مكوّن من مكوّنات المجتمع اللبناني في موقع المدافع عن التنوع وعن حقوق المكونات الأخرى، كما أن التطور الأبرز يجب أن يكون في إمكانية تفهم الهواجس والعمل على التخفيف من حدتها حتى لا تكون سبباً للتقوقع والخوف من الآخر.
قد يكون هذا المنطق معاكساً للمنطق السائد في لبنان والعالم ولكن "لا يوحشك في درب الحق قلة السالكين".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل