المعيار الاساسي لوجود دولة لبنانية تتمسك بالسلطة وتتحمل المسؤولية، هو عملياً مدى قدرة السلطة التنفيذية التي هي مركز القرار السياسي، على تنفيذ تعهداتها الواردة في بيانها الوزاري.
هذا امر بديهي في كل الديموقراطيات، لكنه يشكل عندنا في هذه المرحلة بالذات، معياراً حساساً دقيقاً وحاسماً لاسباب عدة منها:
❑ أولاً: ان حكومة الرئيس سعد الحريري كانت بعد تشكيلها بمثابة انطلاقة عملية لعهد الرئيس ميشال سليمان، الذي كان قد بدأ قبل عام تقريباً.
❑ ثانياً: ان هذه الحكومة التي اقتضى تشكيلها خمسة شهور من الجهود والمماطلة وحلّ العقد والعراقيل وكثيراً من صبر ايوب، ولدت تحت لافتة برّاقة، هي "حكومة الوحدة الوطنية". بما يعني بعد كل الشقاء الذي اقتضاه وضع كيميائها السياسي وكل الجدال الذي استدعاه بيانها الوزاري، انه يفترض ان تنطلق بسهولة ويسر ومن دون اي عراقيل او قطب مخفية لتنفيذ ما وعدت به المواطنين. فالعهد عهد رئيس وفاقي والحكومة تتزين بشعار الوحدة الوطنية.
لكن سعد الحريري الذي كان على امتداد المشاورات قد سبر الاغوار جيداً وعاين النيات واستشفّ الطويات في مرحلة التكليف الاولى، حرص في المرحلة الثانية على ان تكون المشاورات سلسلة من المكاشفات والحوارات واستبيان الرغبات والطموحات، بما يساعد تالياً على أمرين:
❑ اولاً: الاتفاق على الابجدية الادارية والانمائية والسياسية التي ستشكل بنود البيان الوزاري، الذي يفترض ان يتذكر في مجمله حاجة اللبنانيين الى سلطة تلتفت الى همومهم وتحاول استجابة مطالبهم.
❑ ثانياً: وهو الاهم، تأمين توافق بين اعضاء الحكومة يترجم شعار الوحدة الوطنية، من خلال الافعال لا الأقوال. وقد بدا الحريري دائماً متمسكاً بالشعار الذي اطلقه قبل التكليف: "حكومة تلم الشمل وتكون قادرة على العمل".
❑ ❑ ❑
وعلى خلفية توق اللبنانيين فعلاً الى حكومة تنصرف الى الاهتمام بشؤونهم ومطالبهم، اختار الحريري لازمة حرص على تكرارها في كل تصريحاته، وهي ان أولويات الناس هي أولويات الحكومة، معدداً سلسلة من المطالب التي ينتظرها اللبنانيون: الماء والكهرباء وفرص العمل والشأن المعيشي والاجتماعي والاقتصادي والصناعة، والطبابة والزراعة والسياحة والانماء والتطوير والثقافة والبيئة.
ومن الطبيعي الافتراض، انه اذا لم يتم التفاهم على هذه المطالب المحقة داخل حكومة وحدة وطنية، فإنه من الصعب التفاهم على اي شيء آخر، لأن اولويات الناس تشمل كل اللبنانيين بغض النظر عن طوائفهم والمذاهب والسياسات.
وعندما بدأت وزارة المال اعداد الموازنة بالتنسيق مع كل الوزارات الأخرى، كان شعار رئيس الحكومة حاسماً وحازماً: لا لزيادة الضرائب التي تصيب الطبقات الشعبية، ولا لزيادة الدين العام من طريق الاستقراض ونعم للانفاق الانمائي والاستثماري.
الآن بعد شهرين ونيّف على بداية عمل الحكومة، بدت بعض صخور الارخبيل السياسي تعترض سفن السلطة التنفيذية واشرعتها. مسألة التعيينات مثلاً ثم مسألة الانتخابات البلدية وقطبها الظاهرة والمخفية. ثم مأساة الطائرة الاثيوبية ومحاولات البعض تسييس الفاجعة لحسابات لا علاقة لها لا بالواقع ولا بالمنطق ولا باحترام المصاب العام.
وفي ظل بعض ما يقال وبعض ما يكتب وما يتم تسريبه وايحاؤه وما تجري فبركته، كان من الطبيعي ان يستشعر سعد الحريري مزيداً من العراقيل والقطب المخفية التي تنتظر الحكومة في مسألة مناقشة الموازنة، التي يفترض ان تفاهماً على خطوطها العريضة قد تم في النقاشات وبروح الوحدة الوطنية.
واضح ان اولويات الناس تتطلب اتفاقاً هدفه تحسين معيشة اللبنانيين، واذا كان الوزراء الشركاء في حكومة الوحدة الوطنية قد طالبوا بزيادة الانفاق في وزاراتهم فلن يكون من المنطقي او الاخلاقي او من قواعد المسؤولية في اطار حكومة الوحدة الوطنية ان يرفضوا غداً سياسة تغطية اعباء هذه النفقات وتحمل مسؤوليتهم، ومحاولة القاء المسؤولية على رئيس الحكومة، الذي يرفض الاستدانة وزيادة الدين العام قطعاً ويتجه الى تأمين الانفاق من خلال خفض الفوائد على الليرة وبعض البنود التي اوصت بها مقررات "باريس 3"، واعتمدت على رؤى ودراسات شارك في وضعها الجميع اكثرية ومعارضة آنذاك.
❑ ❑ ❑
مشروع الموازنة الذي سيكون موضع نقاش، يمثل امتحاناً حقيقيا للوحدة الوطنية، في الحكومة سلطة ومسؤولية. هذا امر واضح يفترض ان يتنبه له الرأي العام اللبناني جيداً.
البنود الإنفاقية على القطاعات الخدمية والانماء ارتفعت في مشروع الموازنة الى 1450 مليار ليرة، وهذه تسمى اولويات الناس. وزارة الطاقة اضافت 500 مليون دولار، وزارة الاشغال تريد 500 مليار ليرة، التقديمات الصحية تصل الى 200 مليار ليرة. زيادات الرواتب والاجور 300 مليار ليرة. لقد اسقطت كل البنود الضريبية باستثناء ما التزمته الحكومة عام 2007 في مؤتمر "باريس 3"، اي رفع القيمة المضافة من 10 الى 12 في المئة وزيادة الضريبة على الفوائد المصرفية من 5 الى 7 في المئة. هذه الزيادة يمكن اعتماد سلّم نسبي تصاعدي لتطبيقها – فالارملة التي تعيش من فائدة ايداع صغير لا يجوز ان تدفع مثل الثري المودع ملايين الدولارات. يمكن هنا مثلا ان تلحظ زيادة الـ 2 في المئة على الودائع التي تتجاوز 5 ملايين دولار".
في اي حال، مناقشة الموازنة امتحان حقيقي للوحدة الوطنية في الحكومة كما قلنا، وسعد الحريري الذي يرفض زيادة الدين العام ويستحيل عليه استمطار الدولارات من السماء يحتاج الى شركاء في السلطة متعاونين في تحمل المسؤولية لا الى وزراء يأكلون من الموازنة ويلقون الاوزار عليه. والاتزان وحده يرسّخ الوحدة الوطنية ويقر موازنة نافعة وعادلة!