ضرورة إعادة الأخذ باقتراح الجميّل التحاور حول "عمق المشكلة اللبنانية"
اللبنانيون مجمعون على "الاستراتيجية الدفاعية" ومختلفون حول "حزب الله"
ثمّة فكرة طرحها الرئيس أمين الجميّل في يوم 14 شباط. لا سبيل من دون هذه الفكرة لانطلاقة حقيقيّة لطاولة الحوار. طرح الرئيس الجميّل فكرة خالفت ما جرى تداوله برتابة وكآبة طيلة الأشهر الماضية. فقد دعا بالحرف، لأن "يكون مؤتمر الحوار الوطني برعاية فخامة الرئيس وتعاون دولة رئيس الحكومة وكل القيادات الوطنية، مناسبة، ليس فقط لبحث الاستراتيجية الدفاعية، بل لإجراء مصارحة فعليّة تطرح عمق المشكلة اللبنانية، لأن التسويات الظرفية ونهج التأجيل لم يؤديا سوى إلى المزيد من الشلل والتعطيل على مستوى مؤسسات الدولة والشأن العام".
يمثّل هذا المقترح تجاوزاً للدوران في الحلقة المفرغة طيلة الفترة الماضية، حيث ساد إصرار من جانب قوى 8 آذار على إغراق طاولة الحوار بملفّات "مستقبليّة" من مثل "إلغاء الطائفية السياسيّة"، في مقابل إصرار من جانب قوى 14 آذار على وجوب تخصيص الطاولة للبتّ بموضوع سلاح "حزب الله" حصراً. وانتشر أيضاً التشكيك في فعاليّة "المؤسسة الحوارية" بعد أن أظهرت قوى 8 آذار تخفّفاً من الإجماع المحقّق عام 2006 حول أمور يأتي في طليعتها سحب السلاح الفلسطينيّ خارج المخيّمات، في مقابل تشديد قوى الأكثرية على ضرورة نقل هذا البند إلى حيّز التنفيذ.
جاء مقترح الرئيس الجميّل إذاً، بعد أن ثبت بالوجه الشرعيّ، أنّ البحث في "الاستراتيجيّة الدفاعيّة" لا يسمح بحوار صريح وفي العمق، حول المسألة التي وجب عليها الحوار، وهي مسألة "سلاح حزب الله". النقاش في "الاستراتيجيّات" تجريد لا تحتاجه السياسة اللبنانية، وتأجيل للخوض في القضية المركزيّة: سلاح "حزب الله" كأداة لـ"الهيمنة التفكيكية" للمجتمع والدولة في لبنان.
فاللبنانيون غير مختلفين حول "الاستراتيجية الدفاعيّة". وضعوها في اتفاق الطائف. وصارت أوضح بالنسبة لهم بعد الانسحاب الإسرائيليّ عام 2000.
اللبنانيون مختلفون حول شيء آخر.. حول السلاح المستثنى من مقتضيات اتفاق الطائف المتعلّقة باسترداد الدولة كل سلاح "ينشط" على أرضها.
والانتخابات الأخيرة جاءت تدلّ على أنّ القسم الأكثريّ من الشعب اللبنانيّ "متضرّر" من استمرار هذا السلاح بالشكل الذي هو فيه. أمّا عدم قدرة الأكثريّة على الاحتكام لنتائج الانتخابات الأخيرة بالشكل الذي يتيحه الدستور فقد جاءت تثبت الطابع "الهيمنيّ" لهذا السلاح.
وعليه، فإنّ اللبنانيين يتحاورون في "الاستراتيجية الدفاعيّة" التي لا دليل على اختلافهم حولها، ويتركون المسألة الخلافية، "سلاح حزب الله"، وعنوانها الأبرز على "طاولة الحوار" أنّ متحاوراً واحداً يملك سلاحاً، دون سائر المتحاورين.
فإن كان الحوار حول "الاستراتيجية الدفاعيّة" فمعنى ذلك أنّ ثمّة محاوراً "يحاور بسلاحه". أمّا إن كان "السلاح" هو موضوع الحوار، فمعنى ذلك أنّ "السياسة" ما تزال متاحة، وثمّة إمكان لـ"المصارحة في العمق" ولـ"طرح كل الهواجس والمخاوف لدى كل الفئات من أجل بلورة أسس المصالحة الفعلية" كما قال رئيس "حزب الكتائب".
والحوار حول "السلاح" لا يعني حواراً حول أداة تقنية يجري التساؤل "هل" و"كيف" و"متى" تعود إلى الدولة، وإنّما هو، أيضاً باستعادة فكرة الرئيس الجميّل، حوار في "عمق المشكلة اللبنانية".
والمشكلة اللبنانية كانت دائماً مشكلة تطرحها المشاريع "الهيمنية" و"الهيمنية المضادة" للطوائف اللبنانية، المفتونة كل واحدة في "لحظتها التاريخية" بأسباب قوّتها، وبمظاهر انكماش أو انكفاء الطوائف الأخرى. فهذا اللبنان، المولود عام 1920، كحل وطنيّ للمسألة المارونيّة، والداخل في إثر ذلك في تجربة "تشارك إسلاميّ مسيحيّ" في بناء دولة وتسيير شؤونها وتنظيم علاقاتها بأهلها وجوارها، إنّما دخل منذ الخمسينات في مرحلة المشاريع "الهيمنية" و"الهيمنيّة المضادّة" للطوائف اللبنانيّة. وقد تعثّرت تباعاً كامل المشاريع "الهيمنيّة" إلا ذاك الذي يمضي فيه "حزب الله" بثلاثيّة "الديموغرافيا" و"الأيديولوجيا" و"السلاح".
هذا هو عمق المشكلة اللبنانية. كائناً من كان على طاولة الحوار. المشكلة هي "السلاح" ليس من حيث هو أداة تقنية خارجة عن كنف الدولة فقط، بل من حيث هو أداة تقنية مسخّرة لخدمة مشروع هيمنيّ مذهبيّ، صادف أنّه أيضاً مشروع فئويّ شموليّ. فئويّ لأنّه يطرح من موقع فئة أهليّة واحدة في لبنان. وشموليّ لأنّه ينتمي إلى كافة عناصر الأيديولوجيا الشموليّة: الزعامة الكاريزمية المطلقة، المفهوم العنفيّ للسياسة، منطق التعبئة الدائمة.
ولأجل أنّه مشروع فئويّ شموليّ فإنّ شكل الهيمنة التي يطرحها على لبنان ليست "توحيديّة" لهذا اللبنان بأي شكل من الأشكال، بل هي "تفكيكية" لأواصر وحدته، وتجعل اللبنانيين يعيشون على أقل تقدير، في فضاءات مختلفة، وأزمنة مختلفة، وسط البراكين والأعاصير والزلازل.