اذا كان أحد يتصوّر أن طاولة الحوار، بوجوهها الجديدة سوف تخرج بنتيجة محددة حول الاستراتيجية الدفاعية، يكن في الحقيقة، اما ساذجاً، او واهماً، أو متفائلاً أكثر من اللزوم، لأن حزب الله، وهو المعني الأول بموضوع الاستراتيجية، وهو القابض الوحيد على السلاح، كان واضحاً في أكثر من مناسبة، وعلى لسان أكثر من قيادي ومسؤول، ومنذ التحرير في العام 2000، ان لا تراجع، ولا مساومة، ولا قبول بأي طرح يتناقض مع استراتيجية حزب الله، التي حققت الانتصار في الـ 2000، والصمود والردع في الـ 2006، والحزب مسؤول عن جمهوره، ومسؤول عن امنه واستقراره في ارضه، والدولة ليست قادرة عسكرياً على حمايته في وجه الاعتداءات الاسرائيلية، واذا طلب من الحزب، أن يكون قرار المواجهة مع اسرائيل، بيد السلطة السياسية للدولة اللبنانية، وهي التي تقرر كيف يجب أن يكون التعامل مع أي اعتداء اسرائيلي، في المكان والزمان ونوع السلاح، يردّ الحزب بأن التنسيق مع الدولة والجيش قائم، والدليل على ذلك ما ورد في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة، من أن الجيش والشعب والمقاومة، هي العناصر الثلاثة المولجة بحماية لبنان، وهذا يعني، ان الجيش والشعب يتكاملان مع المقاومة ولا يتعارضان، وان الفريق الذي يصرّ على اثارة هذا الموضوع، خلافاً لواقع الأمر، وللبيانات الوزارية، انما يغرّد خارج الأكثرية الشعبية، وخارج القرار الرسمي، وبالتالي فان الاستراتيجيات التي قدّمت الى طاولة الحوار السابقة، غير واقعية، وغير فعّالة في تأمين حماية حقيقية للأرض والشعب اللبنانيين، وكانت قمة رفض حزب الله لاي استراتيجية تتعارض مع استراتيجيته، القمة الأخيرة التي جمعت الرئيس السوري بشّار الاسد والرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، ورئىس حزب الله السيد حسن نصرالله، والتي كرّست استراتيجية مواجهة اسرائيل، ودور كل فريق في هذه الاستراتيجية التي استلحقتها حركة حماس في زيارة قادتها الى طهران ولقاء أحمدي نجاد.
***
في حال قرر رئىس الجمهورية العماد ميشال سليمان والمتحاورون، ان تصدر قرارات طاولة الحوار، بالاجماع، فاغلب الظن ان هذه القرارات ستكون نسخة طبق الاصل عن القرارات التي تصدرها جامعة الدول العربية عند وقوع خلافات بين اعضائها، اي على قاعدة رئىس الوزراء السابق المرحوم الحاج حسين العويني «هيك وهيك» بحيث يبقى القديم على قدمه : حزب الله يتمسك بالسلاح والقرار، والمعارضون يتمسكون بالدولة وبرفضهم ان يكون السلاح بيد فريق معيّن، وان يجرّ الدولة والشعب الى مكان لا يريدانه، أما اذا تقرر ان تؤخذ القرارات بالأكثرية، فان تشكيلة طاولة الحوار هذه المرة، قد لا تكون في مصلحة المعترضين على سلاح حزب الله، لأن مناصفة العدد بين تكتل 8 آذار و14 آذار (سبعة بسبعة) ستجعل كلمة الفصل بيد الخمسة الوسطيين وهم: نجيب ميقاتي، محمد الصفدي، الياس المر، وليد جنبلاط، وفايز الحاج شاهين.
أما رئىس الجمهورية، التوافقي بامتياز، فانه على التأكيد لن يدخل في لعبة ترجيح كفة على كفة، وهو اذا كان قد دعا الى طاولة حوار، بعد اتفاق الدوحة، ويدعو اليها اليوم، فمن باب حرصه على أن يأخذ اللبنانيون امورهم بأيديهم، ويتصرفوا على أساس انهم كلهم ام الصبي، بدلاً من تدخل الدول الشقيقة أو الصديقة لترسم هي الحلول للبنانيين.
***
حيال هذا الأمر، يتساءل المواطنون، ما فائدة طاولة الحوار اذن، طالما ان الامور محسومة سلفاً باتجاه قرار معروف وكأنه القضاء والقدر، وطالما أن ما كتب قد كتب، وهل ان ما بعد الحوار، هو اصعب مما قبله، وان التوترات قادمة لا محالة؟
سياسي عتيق عاصر عهوداً وحكومات، وشغل مناصب وزارية رفيعة، لا يخفي ان طاولة الحوار في شأن سلاح حزب الله وحسب، هي طبخة بحص، أو «شوربة عظام ومي» تلهي الجائعين الى حين، وتخفّف من تبرّمهم، معتبرين ان الطعام على النار والفرج قريب، وطاولة الحوار لا تعدو كونها، حبّة مهدّىء، فيتقرّب المتخاصمون بعضهم مع بعض، وحسناً يفعل رئىس الجمهورية، ان هو أولم لهم، لأن تبادل الخبز والملح يساعد في تخفيف الخصومة وتهدئة الخواطر، وهذه الأجواء تنعكس على الناس في بيوتهم وأعمالهم، ما يخلق نوعاً من الهدوء والاستقرار ربما يطول او يقصر، اما بسبب تدخلات اسرائىلية عدائية، واما بسبب ايعازات خارجية، وعندها ينفخت دف الهدوء وتعود الامور الى سابق عهدها قبل الطاولة، على أمل تدبير طاولة حوار ثالثة تنفّس الاحتقان وتؤجل إشعال الفتيل.