عملياً لا يوجد في حكومة الوحدة الوطنية اعضاء مراقبون، او باقون في الخارج لا يعرفون ماذا يحصل في الداخل وماذا يدور وراء جدران قد تكون "مقفلة" على الناس لكن ليس على من يشترك في المسؤولية في الداخل.
وعندما يكون الجميع في حكومة الوحدة الوطنية، التي تطلبت هندستها وتركيبة كيميائها السياسية جهدا اقليميا ومحليا كبيرا، جعل رئيسها سعد الحريري يتجاوز سيدنا ايوب في صبره والأناة، يصبح من المثير للدهشة والاستغراب ان ترتفع اصوات شركاء اساسيين او حتى "مؤسسين" لهذه الحكومة، تدعو الى تفعيل عملها، لانه لا يجوز ان تبقى الامور عالقة داخل السلطة التنفيذية، وان تقع الوزارات في حال "مكانك راوحْ"، وخصوصا في مسائل اساسية، يتشوق الناس اليها وينتظرونها، مثل انطلاق عجلة الدولة المعطلة منذ زمن، ومثل التعيينات والاستحقاقات الاخرى في العمل الحكومي.
وهكذا، اذا كانت صراحة الرئيس نبيه بري قد دفعته الى الحديث عن "عراقيل منظورة وغير منظورة من داخل الحكومة وتجب مواجهتها"، وهو الذي يملك سبع اعين وباعا طويلا في الحكومة كما في السلطة والزعامة والدولة، فما بالك بالمواطن العادي الذي لا يعرف الشيء الكثير عن "المنظورة وغير المنظورة"، ولكنه يملك ما يكفي من الحدس ليفهم ان هناك عراقيل تحاول ان تشل عمل الحكومة، وهناك ايضا تناقضات تحت "قبة" الوحدة الوطنية وداخل الطوائف والمذاهب وحتى بين ابناء البيت الواحد تعترض "تقليع" السلطة التنفيذية، وان هناك ايضا من يضحك في عبّه ويتهيأ منذ الآن ليقول غدا:
عهد فاشل وحكومة فشل والرئيسان ميشال سليمان وسعد الحريري شريكان في الفشل والافلاس!
❐ ❐ ❐
الرئيس نبيه بري الذي قال انه لا يعرف اسباب التأخر في عمل الحكومة، هو عمليا وواقعيا سيد العارفين بما يجري في الداخل، ولهذا فانه يعمد، على جاري عادته، الى القيام بمناورة بارعة هدفها فتح "نافذة" على "الغرفة المقفلة" ليساعد في منع اختناق العهد والحكومة وخنق الناس!
وما هي "الغرفة المقفلة"؟
انها "شرنقة الاجماع" التي دخلناها بعيون مفتوحة، تحت اهازيج الوحدة الوطنية في الحكومة وطبول "الديموقراطية الوفاقية"، ونحن في بلد لم يتوصل اهله بعد بنعمة الله سبحانه وتعالى الى التوافق على الليل والنهار وعلى الاسود والابيض!
وما هي "النافذة" التي حاول بري فتحها؟
انها ذهاب الحكومة الى التصويت، عندما يتعذر التفاهم في درس الامور والملفات المطروحة بعد سلسلة من الجلسات والنقاشات. نعم التصويت لانه لا يجوز ان يبقى الوضع الحكومي على هذا المنوال.
واذا صح فعلا ان بري وصف التصويت بانه ابغض الحلال، كما قالت الزميلة "السفير" امس، فاننا لا نتوانى في القول ان ابغض الحلال حلال وزلال، اذا كان بديلا من الشلل والفشل والاختناق.
ولأن الرئيس سليمان يحرص على عدم اهتزاز ميزان التوافق ولو بمقدار شعرة، حرصا على دوره كرئيس توافقي، فقد اصر دائما كما يعرف الجميع، وهو الذي يرأس كل جلسات مجلس الوزراء الحساسة، على تكريس مبدأ انزال التصويت في منزلة بغيضة، مصرا على التوافق حتى ولو صار التوافق مثل قصة غودو الذي لا يصل قط!
❐ ❐ ❐
ولكن اذا كان سليمان امينا على رئاسته الوفاقية، وهذا امر مفهوم، فانه مؤتمن ايضا على دفع عجلة العهد والحكومة الى الامام، وهذا امر ليس مفهوما فحسب، بل هو حيوي وضروري ومصيري ايضا.
نعم، التصويت ابغض الحلال، كما يرى بري وكل الناس تقريبا. وهو اكثر من حلال بعد تأخر عمل السلطة التنفيذية اكثر من شهرين. وهذا يعني ان من الضروري ان يضيف سليمان الى "نبيذه التوافقي" قليلا من ماء الحلال "البغيض" من ينابيع بري، ليتمكن سعد الحريري وحكومته من ان يبدأوا بالشرب. وعندها ينطلق عمل الحكومة بالسرعة التي يريدها اللبنانيون.