ليس من موضوع اكثر خفة من السجال الحاصل راهناً حول اسماء المشاركين في طاولة الحوار الوطني او المستبعدين منها. فكثرة المشاركين في الطبعة الثالثة لطاولة الحوار لا تقدم في الأمر شيئاً، مثلما لم تقدم قلتهم في السابق شيئا في المقابل. والحال ان ما تم الاجماع عليه في طاولة الحوار الاولى لم يتحقق منه سوى بند واحد هو العلاقات الديبلوماسية مع الجار السوري الذي اتت به مصالح الحكم السوري في مرحلة انفتاح الغرب عليه. فكان وعد الرئيس السوري بشار الاسد لنظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي، نيابة عن المجتمع الدولي، بإقامة العلاقات الدبلوماسية بعدما تحقق الانقلاب الفعلي في شوارع بيروت على يد "حزب الله" وحلفاء الحكم السوري في لبنان. اما بقية البنود التي تم التوافق عليها فلم تتقدم قيد انملة، ولا سيما البند المتصل حكما بسلاح "حزب الله" او ما يسمى تلطيفا بند الاستراتيجية الدفاعية، عنينا بند نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها.
بناء على ما تقدم، فإن طاولة الحوار التي سيدعوها رئيس الجمهورية الى الانعقاد الاسبوع المقبل تتلخص عموماً، في خطين: أولهما يدعو الى ترك "حزب الله" يمضي قدما في التسلح والنمو على حساب الدولة تحت شعار المقاومة وفي امتلاك قرار الحرب والسلم في اطار اجندة اقليمية حددها لقاء دمشق الثلاثي قبل نحو اسبوع، وثانيهما يطالب بامتلاك الدولة بمؤسساتها قرار الحرب والسلم والنظر اما في دمج سلاح الحزب والسيطرة على قراره وإما بالذهاب الى ما هو ابعد عبر سحب السلاح بعد الافادة من تجربة "حزب الله" في القتال ضد اسرائيل.
عملياً، لا يفيد تعدد الآراء حول طاولة الحوار. والحق انه كان في الامكان تعيين ثلاثة تجمعات: الاولى 14 آذار بوجهة نظر واحدة وتصور واحد، الثاني 8 آذار برؤية واحدة، والثالث رئاسة الجمهورية ممثلة للوسط والمجتمع المدني في البلاد. بحيث تأتي هذه القوى الى طاولة الحوار برؤى واضحة ومحددة وتعكس الانقسام الحقيقي في البلاد حول سلاح "حزب الله" في مرحلة من اخطر المراحل في تاريخ لبنان، وفي وقت يتم استدارج لبنان عنوة الى محور اقليمي مقاتل يتجاوز في ابعاده المواجهة مع اسرائيل، ليتصل بمواجهة مع النظام العربي، واكثر من ذلك مع الغرب في المنطقة.
ما من لبناني عاقل يشك في ان قرار الحرب والسلم بفعل وجود "حزب الله" تمسك به كل من طهران ودمشق، اما الدولة اللبنانية فلا تزال حتى الآن مغيبة، فضلاً عن ان رأي اللبنانيين المعارض مغيب تماماً من خلال تقديم موازين القوة على الارض كجزء اساسي من المعالجة في الداخل. من هنا يصعب توقع تقدم حقيقي على طاولة الحوار التي تبقى حتى اشعار آخر وسيلة لامتصاص بعض الصدمات الداخلية وتهدئة الشارع المستنفر طائفيا ومذهبيا.
ان الاساس يكون في اقدام من يملك السلاح من خارج الشرعية على اعادة النظر جذريا في حساباته، لان موازين القوة الراهنة قد لا تدوم، وما يصعب تخيله اليوم قد يصير حقيقة داهمة في لحظة دولية – اقليمية. وفي النهاية يخسر لبنان واهله من كل الفئات والملل.
في النهاية المطلوب حوار ونقاش هادفان لانهاء الانقسام الكبير في لبنان الذي لا تخفيه مصالحات من هنا او انحناءات من هناك…
