#adsense

لبنان يُحوّل الى “مجتمع حرب” ويُدخَل في حال طوارئ.. غصباً عنه

حجم الخط

بينَ مشاركة نصرالله في "اللقاء الثلاثي" و"حسمه" موقع البلد واستراتيجيّته
وبين اعتبار "حزب الله" كلّ أجنبي عميلاً محتملاً
لبنان يُحوّل الى "مجتمع حرب" ويُدخَل في حال طوارئ.. غصباً عنه


كانت "الصورة" التي جمعت الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الى الرئيسَين السوري بشار الأسد والإيراني محمود أحمدي نجاد في دمشق قبل أسبوع، كافيةً في "حدّ ذاتها" لتوجيه رسائل سياسية عدة. ومن أبرز الرسائل التي توجهها "الصورة" في "حدّ ذاتها" أن "حزب الله" قام بـ"إنتزاع" تمثيل السلطة اللبنانية التي تحكم دولة لبنان، وأخذ مقعداً بإسم لبنان في قمة ثلاثية، وأعلن الالتزام بإستراتيجية تلك القمة.. و"نقطة على السطر".

نصرالله يحسم الموقع ويبتّ الإستراتيجية

بيدَ أن السيد نصرالله لم يشأ إعتبار "الصورة" وسيلةَ إيضاح كافية. وفي هذا السياق، خصّص خطابه مساء الإثنين الفائت لمزيد من الإيضاح.
خصّص نصرالله خطابه لتأكيد أن ثمة محوراً سورياً إيرانياً، وأن هذا المحور "حيّ يرزق"، وأن كل كلام عن تباعد بين سوريا وإيران، أو بين سوريا و"المقاومة" إنما هو "كذب". أي أن نصرالله "أخذ" لبنان معه الى المحور الذي يتحدث عنه.. وقال للبنانيين "أنتم هنا وهذا ما قرّرته عنكم ولكم".

وكي يكون أكثر وضوحاً، هاجم نصرالله الوضع العربي، تحت عنوان إتهام العرب بالتخلّي عن الصراع مع إسرائيل تارةً، وتحت عنوان دعوتهم الى الإقتداء بإيران وعطاءاتها في الصراع مع إسرائيل تارةً أخرى.

وإذ اعتبر على ما يبدو أن الخطاب لم يكتمل عند هذا الحد، تطرّق الى "الإستراتيجية الدفاعية". وهنا كرّر السيد نصرالله تعريفه لـ"الإستراتيجية" على أنها ثنائية "دائمة" بين "مقاومة دائمة" والجيش. مع إضافة ضمنيّة لا تخفى: ثنائية بقيادة "المقاومة" بما أن "المقاومة" هي التي تحدّد أين يكون موقع لبنان. وبهذا المعنى، "أفهم" اللبنانيين بأن إستراتيجيتهم الدفاعية محدّدة سلفاً.. ومؤتمر الحوار الوطني "لزوم ما لا يلزم"!

"العملاء المحتملون"!

على أن "حزب الله"، وقد مارس في ما سبقت الإشارة إليه، أمراً واقعاً على الدولة وعلى سائر اللبنانيين، واصل بعد "الصورة" في دمشق وبعد خطاب أمينه العام، تصعيد توضيحاته.

أول من أمس، دعا أحد مسؤولي الحزب من نوّابه الى "وجوب التعامل مع كل حامل جواز أجنبي على أنه عميل محتمل". ورأى أن على الأجهزة الأمنية اللبنانية أن تتشدّد في التعامل مع كل حامل جواز سفر أجنبي في مطار بيروت وفي "غيره من الأماكن" (أهمية ملاحظة "غيره من الأماكن"). ورداً على سؤال وجّه إليه بشأن كيفية التمييز بين العميل والمواطن الأجنبي، أجاب المسؤول النائب بأن "المسؤولية تقع على عاتق الدول الأوروبية، فتقاعسها يعرّض مواطنيها الى أن يكونوا موضع شبهة"! أي أنه يقول عملياً "لا تمييز". ومعلوم أن النائب المسؤول قال قولَه هذا على خلفية إستخدام "الموساد" الإسرائيلي جوازات سفر أوروبية في إغتيال القائد الحمساوي محمود المبحوح في دبي قبل أيام.

الأخطار على البلد

ماذا يعني هذا الموقف؟
سيقول كثيرون بحق إن "حزب الله" في ضوء هذا الموقف، يأخذ لنفسه "حقّ" توجيه الأجهزة الأمنية، و"حقّ" تحديد "العميل"، و"حقّ" فرض أولويات معيّنة على البلد.
غير أن ذلك على صحّته لا يكفي توضيحاً للأخطار التي ينطوي عليها هذا الموقف من جانب "حزب الله".

إذا كان كل حامل جواز أجنبي عميلاً محتملاً، فإن كل سائح يحمل جواز سفر أجنبياً هو عميل محتمل.
وإذا كان كل حامل جواز أجنبي عميلاً محتملاً، فإن كل مدرّس في إرسالية أو أستاذ في جامعة هو عميل محتمل.
.. وكذلك الحال خصوصاً بالنسبة الى من يعمل في شركة، وإلى من يشارك في إستثمار، وإلى أي ديبلوماسي.
.. وكذلك الحال خصوصاً بالنسبة الى كل ضابط وجندي في قوات "اليونيفيل".

فهل هذا هو المطلوب؟ وهل يصبح كل "عميل محتمل" هدفاً أمنياً محتملاً بالتالي؟ وهل يكون أي لبناني يتعاطى مع سائح أو أستاذ أو ديبلوماسي.. عميلاً محتملاً أيضاً؟

"لا صوت فوق صوت المعركة"

ما لا شك فيه أن هذه الأسئلة واجبة الطرح. لكن الأهم أي الأخطر في هذا الموقف من جانب "حزب الله"، هو أنه يستعيد شعاراً دفعت الشعوب العربية ثمنه مديداً، أي شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". لكأن "حزب الله" في "سلّة" مواقفه في الآونة الأخيرة، يدفع باتجاه بلد "مغلق"، أي "بلد حرب" أو "حالة طوارئ".. بلد كل شيء فيه مسخّر لأولوية حددها "حزب الله" بنفسه ومن طرف واحد.

وإذا كان لا بد من تلخيص لمعاني "سلّة" مواقف الحزب، فلا مبالغة في القول إنها تعني مصادرةً للسلطة وقرارها اولاً، وحسم الحوار الوطني أي إنهاؤه من جانب واحد على أساس أن الاستراتيجية الدفاعية هي استراتيجية تأبيد "المقاومة" وسلاحها، واستراتيجية تسييد "المقاومة" على الجيش والدولة ثانياً، وتعني تحويل لبنان الى حال طوارئ و"مجتمع حرب" ثالثاً مع كل ما يلحقه ذلك من أخطار بالدستور والديموقراطية رابعاً.

إطباقٌ على السلطة

لقد حملت الأيام القليلة الماضية إشارات "تحوّلٌ تصعيدي" في مواقف "حزب الله" وممارسته. "تحوّل تصعيدي" بدعوى المناخ الإقليمي المتوتّر، يستغلّ "التهدئة" التي يحرص عليها معظم الاجتماع السياسي اللبناني.
ولو صحّ أن كلام المسؤول النائب أو النائب المسؤول يطرح مشكلة إستخدام إسرائيل جوازات سفر دول معيّنة في جرائمها، فلا تقارب المشكلة بـ"إغلاق" لبنان أو بقطع أوصال علاقاته الدولية.. ولا تقارب بـ"الإطباق" على السلطة "عملياً".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل