#adsense

البدائل الضريبية متوافرة لكنها تتطلّب قرارات حكومية جريئة وتأخر توزيع المشروع طيّر الموازنة إلى موعد جديد

حجم الخط

كتبت سابين عويس في "النهار": ليس سهلاً على الحكومة أن توازن في توجهات موازنتها العامة بين حاجاتها الانفاقية المستجدة بفعل برنامج طموح لأولويات المواطنين وعدت بتنفيذه في بيانها الوزاري، وبين مصادر الايرادات المتوافرة لتغطية هذه الحاجات، وذلك لأكثر من سبب. فالتوازن المشار اليه يتطلب الالتزام بنسبة عجز مماثلة (على الاقل) للنسبة المحققة عام 2009 بعدما بلغت 26 في المئة.

وللحفاظ على النسبة ذاتها، يتعين على الحكومة إعادة النظر بأرقام موازنتها الجديدة باعتبار أنها لحظت نسبة عجز تقارب ال30 في المئة على أساس حجم انفاق يقارب الـ 20200 الف مليار ليرة في مقابل نحو 14 الف مليار للايرادات مقارنة بانفاق بلغ 17160 مليارا عام 2009 وايرادات بلغت 12700 مليار .

وهذا يعني ان ثمة ما يقارب الالف مليار ليرة يجب اما أن تخفض من النفقات، واما ان تضاف الى الايرادات. وفي الحالتين، على الحكومة ان تتخذ قرارات جريئة، اما عبر ترشيد الانفاق، وثمة الكثير من الانفاق الجاري المصنف "غير مجد" ولا سيما في المجالس والصناديق وموازنات الوزارات المضخمة، واما عبر ايجاد موارد جديدة.

ومن الاسباب التي تجعل مهمة الحكومة شائكة، غياب التوافق السياسي على ترشيد الانفاق وضبطه في حدود ما كان عليه عام 2009، علما ان الانفاق في العام الماضي ارتفع عن 2008 بما يعادل نحو 2,210 ملياري ليرة، أي ما نسبته نحو 14.78 في المئة. ويعود هذا الارتفاع إلى أسباب عدة، أهمها ارتفاع تسديد فوائد الديون بمبلغ يقارب الـ 827 مليار ليرة، وهو رقم مرشح للزيادة مع تنامي خدمة الدين العام.

احد الاسباب الاخرى يتعلق بتعذر توافق الحكومة على مصادر تمويل الانفاق المستجد وحصرها بخيارين: اما الضرائب واما الاستدانة. وسبق لرئيس الوزراء أن حذر من أخطار الخيار الثاني رافضاً الاعتماد عليه. علماً أن ثمة خيارات أخرى يستبعد أن تلجا اليها الحكومة وتتمثل أما بعملية اعادة توزيع للقروض والانفاق الاستثماري وفقاً لسلم أولويات يتفق عليه، ولكن هذا الخيار مستبعد نظرا الى صعوبة تغيير وجهة القروض المعقودة لمشاريع محددة، واما عبر مردود استثماري عاجل، وهو أمر غير وارد باعتبار ان لا مشاريع استثمارية جاهزة لدى الدولة لطرحها للاستثمار كما أنه تم استبعاد مشاريع الخصخصة كخيار بديل للضرائب.

هل هذا يعني ان الخيار الاخير يبقى في زيادة العبء الضريبي؟ وماذا بعد المزايدات المختلفة التي اقدم عليها أكثر من فريق سياسي رفضاً للضرائب؟

بعدما حسم رئيس الوزراء أمره واتخذ قراره بطرح مشروع الموازنة في جلسة استثنائية تعقد غدا الجمعة يسبقها توزيع المشروع على الوزراء لدرسه، طغت مبادرة رئيس الجمهورية بالدعوة الى استئناف طاولة الحوار على الاهتمام السياسي. وجاء ضغط الجلسات المقررة لمجلس الوزراء (واحدة عادية امس في السرايا واخرى خاصة باستكمال البحث في قانون الانتخابات البلدية) ليشكل مخرجا لتأجيل البحث في الموازنة، واستعيض عنها بطرح ملف التعيينات القضائية ولجنة الرقابة على المصارف.

ولوحظ ان وزارة المال تريثت في ارسال المشروع الى الوزراء، ربما لاخضاعه الى مزيد من التعديلات بعد عملية جسّ نبض لمسألة الضرائب وبروز استعداد لتعطيل أي طرح ضريبي مع ما يعنيه ذلك في الحسابات السياسية للقوى.

وفي حال لم تخضع ارقام الموازنة الى تعديل كبير، فان الانفاق الاستثماري فيها سيرتفع وفق التقديرات الواردة الى 2300 مليار ليرة مقارنة بـ 851 مليارا في 2009. وخصصت اعتمادات لاستملاكات بمقدار 1200 مليارا كما خصصت موازنة ب120 مليار ليرة لصندوق المهجرين و90 مليارا لمجلس الجنوب و366 ملياراً لمجلس الانماء والاعمار.

واضيف ما مجموعه 500 مليار ليرة لدعم مؤسسة كهرباء لبنان، فيما بلغت الزيادة في موازنة وزارة الاشغال 532 مليارا من ضمنها 300 مليار لصيانة الطرق. اما موازنة وزارة الطاقة فبلغت الزيادة فيها 475 مليار ليرة منها 300 مليار للاستثمارات المقسمة على 3 سنوات (900 مليار لـ 2010 و2011 و2012).

اما التقديمات الصحية المرتقبة فبلغت زيادتها 220 مليار ليرة فيما بلغت الاعتمادات المخصصة للانشاءات والسدود 150 ملياراً وللتربية 140 مليار والبلديات 100 مليار.

ورأت مصادر وزارية مطلعة ان هذه الارقام تشكل انقلاباً ثورياً في التوجهات الاستثمارية وخصوصاً ان الانفاق الاستثماري في مشاريع موازنات الاعوام الماضية تراجع على نحو كبير ليتم الاعتماد على القروض والهبات لتمويل هذا النوع من الانفاق. والمعلوم ان لدى مجلس الانماء والاعمار والحكومة تمويلاً يفوق الـ4 مليارات دولار خصص لمشاريع انمائية وبنى تحتية وخدماتية. وهي اذ تؤكد أهمية تحسين الانفاق الاستثماري نظراً الى الحاجة لمشاريع ملحة مطلوب السير فيها لتحسين الخدمات وشبكات الطرق والصرف الصحي والمياه وغيرها، اشارت الى ان هذه الزيادات يجب الا ترتب في المقابل اعباء ضريبية على المكلفين، لافتة الى أن مجالات تحسين الجباية ورفع الايرادات متاحة كما ان امكانات ضبط النفقات الجارية متاحة ايضا. ولكنها رأت أن هذا الامر يتطلب قرارات جريئة من الحكومة في الاتجاهين، اضافة الى استعادة الدولة هيبتها وقدرتها على المراقبة والتدقيق وضبط التهرب من الضريبة والمخالفات.

واستبعدت ان تنجح الحكومة في اتخاذ مثل هذه القرارات، معربة عن اسفها للخلل الحاصل الذي انتج شللا حكوميا وتعطيلا مفتعلاً لا يدفع ثمنه الا المواطن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل