كتب ابراهيم بيرم في "النهار": إعلان الرئيس عمر كرامي "الانتفاضة" على حلفائه في قوى المعارضة، له بطبيعة الحال مقدماته وأبعاده، التي لها صلة بمآل الزعامة الكرامية التي تبوأت مدى أكثر من خمسة عقود زعامة الشمال السني، وزحفت في مرحلة من المراحل نحو العاصمة في محاولة جلية لمجاورة الزعامة السنيّة البيروتية، والسعي أحياناً ضمناً للتقدم عليها، لاسيما إبان الحقبة الشهابية، أيام صعود نجم الرئيس الراحل رشيد كرامي وريث زعامة والده الرئيس عبد الحميد كرامي، حيث تجذرت وتأصلت مذذاك في فضاء السياسة اللبنانية ثابتة من ثوابته.
وايضاً لهذه الانتفاضة وجه آخر وصلة وثقى بمصير الزعامة السنيّة السياسية في لبنان بعدما استطاعت الحريرية السياسية بطوريها (قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعده) أن تتقدم لتملأ هي الواجهة، ولتمسي بفعل عوامل عدة هي الزعامة شبه المطلقة، كاسحة في طريقها كل الزعامات السنيّة التقليدية وتلك الصاعدة إبان فترة الحرب الأهلية، وما بعدها، ومسقطة ايضاً المشهد السياسي السني المألوف أيام كانت للسنّة زعامات موالية ولصيقة بالنظام من باب الثنائية المارونية – السنية المتهمة بأنها هي القابضة على ناصية الحكم، وكان لها ايضاً شارع معارض ومتطرف أحياناً بمعارضته يأخذه حنينه الى الاندماج بالمحيط العربي، وشوقه الى التماهي مع القضية الفلسطينية، الى أقصى حدود المعارضة.
على غرار الواقع السياسي للطائفة الشيعية قبل أن تصادرها الثنائية الشيعية، وقبل أن تسقط التطورات والظروف البيوتات السياسية التقليدية الشيعية، كان للسنية السياسية بوجهيها حضور رائد وحيوية زائدة وكانت زعامتها ممتدة ومتجذرة من الجنوب الى العاصمة بيروت الى طرابلس وعكار في أقاصي الشمال مروراً بالجبل الشوفي، وصولاً الى البقاع الغربي وبعلبك نفسها، وكانت هذه الزعامة مزيجاً من تقليد ثابت وزعامات شعبية ووطنية صاعدة، أمثال النائب الراحل معروف سعد والرئيس سليم الحص والوزير السابق عبد الرحيم مراد، والنائب الراحل أنور الخطيب…
الى حين دخلت الحريرية الميدان، مستغلة ثلاثة عوامل: انهاك الزعامات التقليدية والوطنية بفعل تمدد سني الحرب الاهلية وأحداثها العاصفة، وبفعل الانهيار التدريجي للمشروع القومي العربي بعد جلاء منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان في نهاية صيف 1982، والتحوّل الذي طرأ على العمق العربي الذي كانت تتكئ عليه السنيّة السياسية، إذ صار عمقاً "إعتدالياً"، متخففاً الى أقصى الحدود من مرحلة الحراك القومي.
وبشكل أو بآخر تقوضت أركان اللعبة السياسية في الوسط السني اللبناني، واضمحل دور المعارضة السنية، خصوصاً في المدن الرئيسية، وضمر دور الزعامة التقليدية بعد استشهاد الرئيس رشيد كرامي، ومغادرة الرئيس صائب سلام الى جنيف ليقيم هناك في ما يشبه انه رفض لواقع الحال القائم في بيروت بعد عام 1982. وعليه، كان على الزعامات السنية، الرافضة الدوران في تلك الزعامة الحريرية، القابضة على السلطة وعلى الدور والممتدة الحضور في الداخل والخارج، أن تكافح بشراسة لتحافظ على حضورها، أو لتمنع على الآخرين جرفها واقتلاعها، خصوصاً أن نفوذ الرئيس الشهيد رفيق الحريري تمدد الى الشمال بشقيه الحاضرة طرابلس والريف القصي في عكار، اضافة الى البقاع الغربي الذي تبين لاحقاً أنه خزان ورافد أساسي فضلاً عن البقاع الأوسط.
وبالطبع، واجهت هذه الزعامة السنية مزاحمة من قوى سنية أخرى صاعدة من قلب الشارع، وهي التيارات والقوى الدينية المختلفة الانتماءات الباحثة بدأب عن موقع لها وشرعية اعتراف بحضورها على حساب اللعبة السياسية التقليدية في الساحة السنيّة.
ولا ريب أن وضع الزعامة السنية المهددة بالضمور، ازداد صعوبة في أعقاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري. فهذه الجريمة كانت بمثابة زلزال نجمت عنه ارتدادات طاولت كل الساحة اللبنانية وخصوصاً الساحة السنية، لاسيما بعدما برزت عصبية سنية كادت تطيح بكل ما قبلها من قيم وأفكار ومعتقدات وزعامات وبالطبع وجدت الزعامات السنية الاخرى بكل تلاوينها، في حال حصار خانق، وبالاخص الزعامة "الكرامية" التي آلت الى الرئيس عمر كرامي خصوصاً بعدما وجد الرجل نفسه في الواجهة شبه وحيد يواجه غضباً غير مسبوق واتهامات ثقيلة الوطأة.
لقد أخذ حلفاء كرامي عليه يومذاك "خروجه الطوعي" من المواجهة لاسيما بعد استقالته الشهيرة المدوية في مجلس النواب من رئاسة الحكومة، وعزوفه عن خوض غمار المعركة النيابية في طرابلس. ورغم انه انكفأ عن الواجهة والمواجهة بعد ذلك الا انه كان عليه أن يواجه التيار لئلا يقتلعه نهائياً مع زعامته التي كانت بالاصل تعاني صعوبة في مواجهة الحريرية السياسية ذات الامكانات الكبرى، والرأس الجامح في طموحاته.
وفي الحصيلة أتى زمن الأزمة السياسية العميقة والانقسام العمودي للواقع اللبناني بعد حرب تموز عام 2006 وبدء تحرك المعارضة في الشارع ليزيد عمق مأزق المعارضة السنية وحراجة وضعها وفي المقدمة الزعامة الكرامية. والواضح ان هذه الزعامة اختطت لنفسها موقعاً مميزاً ودوراً مختلفاً في معادلة المعارضة اللبنانية التي شرعت في هجوم حاد على خصومها في الموالاة، والواضح ان الرئيس كرامي آثر النأي بنفسه عن ساحة المعارضة، فلم يشارك لا هو ولا جماعته، في تحركات المعارضة مباشرة، وفي اعتصامها المديد في وسط العاصمة.
وفي الوقت عينه اختار أن يكون له خط "أكثر حضارية" في المعارضة، إذ جمع حوله عدداً من شخصيات سياسية ذات قيمة اعتبارية في إطار ما سمي "اللقاء الوطني"، دأب على اصدار بيانات ينتقد فيها مواقف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة المحاصرة، فكان بمثابة غطاء مختلف وغير مباشر لحراك المعارضة وتحركها وذلك حتى أحداث أيار عام 2008، حيث بادر كرامي الى حل "اللقاء الوطني" واستنكف عن دعوته للاجتماع.
وفي مقابل ذلك، فإن السؤال المطروح كيف تصرفت المعارضة وقطبها الاساسي حيال المعارضة السنية، واستطراداً هل كانت هذه المعارضة على قدر الآمال المعقودة على دورها من جانب هذا الفريق السياسي؟
لا شك في أن ثمة تبايناً في النظرة الى هذه المسألة داخل قيادة المعارضة نفسها. فكثر ينطلقون من واقع أساسي هو أنه لا يمكن احداً أن يدعي أن المعارضة السنية بثقلها هي صنيعة أحد، فهي موجودة وحاضرة وأصيلة وممتدة قبل نشوء "حزب الله" و"التيار الوطني الحر". والثابت ايضاً أن "حزب الله" أعطى من أسباب الدعم والرفد المادي والمعنوي لهذه المعارضة الشيء الكثير.
والواضح أيضاً أن المعارضة تعاملت مع ثلاثة أنواع من المعارضات السنية:
– المعارضة التقليدية الممثلة بالرئيس عمر كرامي والوزير عبد الرحيم مراد والنائب اسامة سعد والدكتور عبد الرحمن البزري والنائب السابق زاهر الخطيب، الى شخصيات أخرى.
– المعارضة الدينية التي كانت كناية عن مجموعات وجمعيات لا يستهان بحضورها ولا بشخصياتها لاسيما الراحل الدكتور فتحي يكن، والشيخ عبد الناصر جبري وعشرات من علماء الدين.
– وهناك ايضاً مجموعات الاحياء الذين أعدوا لادوار صعبة.
لكن المعلومات المتوافرة تظهر أن لدى قيادة المعارضة مجموعة ملاحظات على اداء جناحها في الشارع السني سواء قبل أحداث أيار أو خلالها أو بعدها.
وأولى هذه الملاحظات أن بعض المعارضة السنية كان يتصرف من منطلق الرغبة فقط في أن يكون غطاء وواجهة سنية للمعارضة خصوصاً في الاوقات الصعبة، في حين ان المعارضة كانت تنتظر منها أن تؤدي دوراً أعمق من ذلك يتصل بالحفاظ على حضورها وبالدفاع عن مشروعيتها التاريخية وعن مستقبلها السياسي المهدد بالضمور والذبول.
وخلال أحداث أيار، ثمة ملاحظات تجمعت لدى قيادة المعارضة وقطبها الاساسي، وهي أن هذه المعارضة السنية غابت عن السمع والبصر لحظة كان يجب أن تثبت فيها نفسها وحضورها ليكون ذلك مقدمة للتعامل معها وأخذها بالاعتبار في أي تسوية مقبلة، فخسرت المعارضة السنية بسبب ذلك، ووفق ما تقوله مصادر المعارضة وقطبها الأساسي، لحظتها التاريخية وفرصتها السانحة لتعود الى قلب المعادلة طرفاً اساسياً، أو على الاقل لتكرر تجربة النائب طلال ارسلان خلال أحداث 11 أيار.
اما بعد مؤتمر الدوحة وحكومة الوحدة الوطنية الاولى، فالواضح ان المعارضة السنية شعرت بأن "حزب الله" خصوصا والرموز الاساسية للمعارضة عموماً باتت في مناخ آخر وصار يهمها تكريس ارساء أسس المصالحة مع السنّية الحريرية وانهاء حالة الفراق والشقاق مع الاكثرية السنية الدائرة في فلك هذه الحريرية السياسية لأن همها الاساسي كان ولا يزال اطفاء اي فرصة لحصول الفتنة المذهبية التي يخشاها الحزب.
وفي كل الاحوال، الواضح ان "حزب الله" بات يعتزم انتهاج سياسة مختلفة مع حلفائه في الشارع السني، وهذا ليس معناه اطلاقاً الفراق بقدر ما معناه انه لا يبدو في مظهر الوصي على هؤلاء الحلفاء من جهة، ولا يبدو طرفاً في الساحة السنية من جهة أخرى.