أوباما لم يخدع العرب ولم يعدهم بمواجهة نتنياهو
الدولة الفلسطينية لن تقوم ضد إرادة إسرائيل
"لم يقدم الرئيس الأميركي باراك أوباما أي وعود أو تعهدات الى الزعماء والمسؤولين العرب الذين التقاهم أو اتصل بهم منذ توليه مهماته بأنه سيعمل على فرض الدولة الفلسطينية فرضاً على إسرائيل أو انه سيخوض معركة سياسية – ديبلوماسية – اقتصادية مع حكومة بنيامين نتنياهو من أجل إرغامها على القبول بقيام دولة الفلسطينيين الجديدة في الضفة الغربية وغزة ودفعها الى حل النزاع سلمياً ونهائياً معهم. فالقرار الأساسي الذي اتخذته إدارة أوباما والذي تعمل على تنفيذه تدريجاً وعلى مراحل عبر الحوار مع الأطراف المعنيين هو ان الدولة الفلسطينية لن تقوم ضد إرادة إسرائيل بل يجب أن تنشأ نتيجة عملية تفاوضية جدية بين الفلسطينيين والإسرائيليين مدعومة أميركياً ودولياً وبالتفاهم والتوافق مع الدولة العبرية، وبحيث تؤمن هذه الخطوة التطلعات الحيوية المشروعة للشعب الفلسطيني والمطالب والحاجات الاسرائيلية الأمنية والحيوية الأساسية. وتحقيق هذا الهدف الكبير يتطلب التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين وبمساعدة أميركية على حدود الدولة الفلسطينية وطبيعتها وعاصمتها وعلى الترتيبات الأمنية المتبادلة والعلاقات المستقبلية بينها وبين إسرائيل ونوع الضمانات الدولية التي ستساعد على قيام تعايش سلمي بين هاتين الدولتين ثم التفاهم على القضايا الأخرى العالقة".
هذا ما ادلت به الينا مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على تطورات هذه القضية. وأوضحت أن مسؤولاً عربياً كبيراً أكد لزعيم أوروبي التقاه حديثا أن الدول العربية البارزة "لا تزال تثق بإدارة أوباما لإنجاز السلام بين الفلسطينيين والعرب والإسرائيليين، لكنها في الوقت عينه تشعر بخيبة أمل لأن الرئيس الأميركي أثبت انه أقل جرأة وإقداما على دفع عملية السلام الى الأمام مما كان يتوقعه منه المسؤولون الفلسطينيون والعرب". وأفاد هذا المسؤول أن زعيماً عربياً كبيراً قال لأوباما في بداية ولايته "إن العرب مستعدون للذهاب بعيداً معك ولتقديم كل المساعدة اللازمة للإدارة الأميركية لتحقيق السلام في المنطقة، لكن المطلوب من الادارة الأميركية أن تعتمد سياسة الحياد الإيجابي وليس الحياد السلبي في التعامل مع النزاع بحيث لا تكتفي بالقيام بدور ساعي البريد والوسيط النزيه بين العرب والاسرائيليين. فقد تم تجاوز هذه المرحلة ووصلنا الى مرحلة إنجاز السلام وهو ما يتطلب من إدارة أوباما أن تستخدم كل إمكاناتها وقدراتها ووسائل الضغط المختلفة التي تملكها لدفع إسرائيل الى تنفيذ متطلبات السلام العادل والشامل مما يسمح بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين واستعادة الأراضي العربية المحتلة، فينفتح العرب حينذاك على الدولة العبرية ويُقْدِمون على اقامة علاقات طبيعية معها".
ولاحظ المسؤول نفسه انه كانت لدى أوباما في البداية طموحات كبيرة وأفكار جريئة من أجل إنجاز السلام في المنطقة، إذ قال الرئيس الأميركي صراحة لزعماء عرب مطلع صيف 2009: "إن أميركا هي الحليف الأساسي لإسرائيل وإنها تتمسك بضمان أمنها ووجودها وإن الدولة العبرية مصلحة حيوية أميركية". لكنه أضاف: "إن لأميركا أيضاً حلفاء آخرين في المنطقة تحرص عليهم ومصالح حيوية أخرى، أبرزها تحقيق السلام الشامل، لأن ذلك يعزز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، مواجهة مخططات إيران الإقليمية الخطرة وإحباط مساعيها لامتلاك السلاح النووي، إضعاف القوى المتشددة وتعزيز دور نفوذ الدول والقوى العربية والفلسطينية المعتدلة وتشجيع خياراتها السلمية". وشدد أوباما خلال محادثاته مع هؤلاء الزعماء على "إن إسرائيل يجب أن تكون جزءاً من معركة السلام في المنطقة وشريكاً أساسياً فيها، وهذا ما يجعلها تتحمل مسؤوليات محددة لتحقيق السلام وما يجب أن يدفعها الى الانفتاح الجدي على الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والعرب عموماً لإنجاز الاتفاقات والتفاهمات السلمية معهم التي يفترض أن تؤمن المطالب والمصالح الأساسية للأطراف المعنيين. ومن الخطأ أن تراهن إسرائيل على أن الادارة الأميركية ستدعمها وتساندها مهما فعلت". وخلص المسؤول العربي الكبير الى "ان أوباما لم يستطع وضع تصوره هذا موضع التنفيذ ولم يتمكن من إدخال إسرائيل في عملية تفاوض جدية مع الفلسطينيين لإنجاز السلام، بل أثبت حتى الآن ان إدارته تتذمر علنا أحياناً مما تقوم به إسرائيل ثم تدعمها وتتكيف معها في الواقع أيا تكن قراراتها وأعمالها".
أوباما لم يخدع العرب
ورأى ديبلوماسي غربي معني مباشرة بملف عملية السلام "ان أوباما لم يخدع المسؤولين العرب ولم يقطع لهم وعوداً لم ينفذها. بل ان الرئيس الأميركي أكد لزعماء عرب ولحكومة نتنياهو منذ الأشهر الأولى لولايته ان من أولوياته تحقيق السلام وحل النزاع العربي – الإسرائيلي من جوانبه المختلفة بما يشمل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار، لأن ذلك كله يشكل مصلحة حيوية أميركية. لكن أوباما لفت في اتصالاته العربية والفلسطينية الى أن هذا السلام لن تصنعه أميركا بل يجب أن يصنعه العرب والفلسطينيون والاسرائيليون أنفسهم، مما يتطلب منهم اتخاذ قرارات صعبة وجريئة وتقديم تنازلات متبادلة لإنجازه. ووعد أوباما بأن تقدم إدارته كل المساعدة اللازمة والممكنة للأطراف المعنيين لتحقيق السلام. واستنادا الى هذا الوعد تحركت إدارة أوباما بسرعة في ربيع 2009 ومطلع الصيف، فاقترحت تجميد الاستيطان الإسرائيلي تماما ولفترة زمنية معينة منطلقا لمعاودة المفاوضات الجدية الفلسطينية – الإسرائيلية في رعاية أميركية وبحيث تترافق هذه الخطوة مع إقدام عدد من الدول العربية على اتخاذ إجراءات "تطبيعية" جديدة مع إسرائيل لتشجيعها على السير في طريق السلام. ووعدت الإدارة الأميركية أيضاً بالعمل على إطلاق عملية تفاوضية تهدف الى إنهاء النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي وليس الى إيجاد حل جزئي جديد والتركيز أولاً على التوصل الى تفاهم فلسطيني – إسرائيلي على حدود الدولة الفلسطينية بمساعدة أميركية، ثم العمل بعد ذلك على تسوية القضايا الكبرى العالقة وأبرزها مصير القدس والمستوطنات ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين والترتيبات الأمنية والمياه وغيرها. وأرادت إدارة أوباما أن تنتهي هذه المفاوضات خلال فترة زمنية تمتد بين سنة ونصف سنة وسنتين، يعلن بعدها قيام الدولة الفلسطينية. ويترافق ذلك مع جهود تبذلها إدارة أوباما لتسوية النزاع بين سوريا وإسرائيل وبين لبنان وإسرائيل".
وأضاف الديبلوماسي الغربي: "إن خطة أوباما هذه تعطلت ووصلت الى مأزق حقيقي لأن نتنياهو رفض تجميد الاستيطان تماما، على أساس ان اتخاذه قرارا كهذا سيؤدي الى سقوط حكومته ولأنه ليس مقتنعاً به فعلاً، وفي الوقت عينه رفضت الدول العربية المعنية اتخاذ إجراءات "تطبيعية" جديدة لتحسين علاقاتها مع إسرائيل وتمسكت بضرورة تسوية النزاع العربي – الإسرائيلي تسوية شاملة على أساس مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية في مقابل "التطبيع" والسلام مع الدولة العبرية. وحين تقبلت إدارة أوباما وجهة النظر الإسرائيلية هذه وتراجعت عن مطلبها الأساسي ووافقت على التجميد الجزئي للاستيطان ودعت الى إطلاق عملية تفاوضية فلسطينية – إسرائيلية من دون شروط مسبقة، رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس معاودة التفاوض على هذا الأساس ورأى في التراجع الأميركي إحراجاً له وإضعافاً للفلسطينيين، وأصر على التجميد الكامل للاستيطان شرطا للتفاوض مع الإسرائيليين، لكنه أبدى استعداده في الفترة الأخيرة لمعاودة هذه المفاوضات إذا ما حصل على ضمانات أميركية ودولية تؤكد بوضوح ان هذه المفاوضات ستقود الى دولة فلسطينية عاصمتها القدس ضمن حدود 1967 مع تبادل للأراضي مقبول لدى الطرفين، والى معالجة مشكلة اللاجئين والقضايا الأخرى العالقة ".
وذكر: "إن أوباما لم يدخل في مواجهة مع إسرائيل نتيجة رفض حكومتها التجميد الكامل للاستيطان لأنه أساساً لم يكن راغباً في فتح معركة مع حكومة نتنياهو من أجل إرغامها على التفاوض مع الفلسطينيين، وقد تقلصت طموحات إدارة أوباما لأن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ليسا مستعدين لاتخاذ القرارات الكبيرة والصعبة ولتقديم التنازلات المتبادلة لإنجاز السلام. لكن إدارة أوباما لن تتوقف هنا بل إنها تواصل جهودها الديبلوماسية بواسطة مبعوثها الخاص جورج ميتشل للتوصل تدريجاً وعلى مراحل الى حل واقعي مقبول للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي من دون تحديد مهلة زمنية لهذا الحل، وهي ستعمل على تقديم تطمينات للرئيس محمود عباس لتشجيعه على معاودة المفاوضات بشكل أو بآخر، سواء أكانت هذه التطمينات أميركية أم دولية صادرة عن الرباعية الدولية التي تضم أميركا وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والتي ستجتمع في وقت لاحق من هذا الشهر في موسكو لمناقشة هذه المسألة".
قضية لاجئين أم قضية دولة؟
في هذا المجال قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "إن الجهود الديبلوماسية الأميركية تتركز منذ أشهر على إيجاد الصيغة الملائمة المقبولة لإطلاق عملية التفاوض بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وهذا في ذاته دليل واضح على جدية المصاعب التي تواجهها عملية السلام وعلى ضعف الدور الأميركي. فلو كانت الحكومة الاسرائيلية تملك إرادة السلام أو لو كانت إدارة أوباما تملك التصميم الحقيقي القوي على دفع حكومة نتنياهو الى التفاوض جدياً مع الفلسطينيين، لكان تم التفاهم في يوم واحد على صيغة ملائمة لمعاودة المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية".
يعتقد زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس سابقا جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي والمقرب من إدارة أوباما ان العقبة الأساسية أمام تحقيق السلام هي "إن الفلسطينيين ضعفاء وفي حال تشرذم وانقسام الى حد انه يصعب عليهم اتخاذ القرارات الملائمة لإنجاز السلام، وان الإسرائيليين، في المقابل، أقوياء ومنقسمون في ما بينهم الى حد أنهم ليسوا راغبين في اتخاذ القرارات الضرورية لتحقيق السلام".
ويرى بريجنسكي، في ضوء معلوماته وتحليله للوضع، ان ثمة توافقاً بين الدول المعنية بالأمر على ان الصيغة "الواقعية الملائمة" لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجب أن تقوم على الأسس الآتية:
أولاً: عدم منح الفلسطينيين حق العودة الى إسرائيل لأن ذلك سيقضي على الدولة العبرية بل يجب توطين اللاجئين في دولتهم الجديدة في الضفة الغربية وغزة ومنحهم تعويضات مالية والإعراب عن "الأسف" لمعاناتهم.
ثانياً: القدس الغربية تكون عاصمة إسرائيل والقدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية وتوضع "المدينة القديمة" تحت إشراف دولي ملائم.
ثالثاً: تقوم الدولة الفلسطينية على أساس حدود 1967 ويترافق ذلك مع تبادل مقبول للأراضي بين الطرفين فتضم المستوطنات الكبرى الى إسرائيل من دون الانتقاص من مساحة الدولة الفلسطينية.
رابعاً: ترابط قوات أميركية وأطلسية على طول نهر الأردن وعلى الحدود بين الدولة الفلسطينية وإسرائيل لطمأنة الإسرائيليين والفلسطينيين.
ويقول بريجنسكي أن تبني إدارة أوباما خطة سلام ترتكز على هذه الأسس سيدفع الفلسطينيين والاسرائيليين الى التفاوض لحل النزاع نهائياً بينهم وبتأييد واسع من المجتمع الدولي والدول المعنية بالأمر. لكن روبير ماليه مستشار الرئيس السابق كلينتون والمسؤول عن شؤون الشرق الأوسط في "مجموعة الأزمات الدولية" يرى "ان الظروف ليست ملائمة لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي نهائياً ولإقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة". والسبب الأساسي لذلك، هو "ان الفلسطينيين ليسوا مستعدين فعلاً لإنهاء النزاع رسمياً مع إسرائيل وإسقاط كل مطالبهم التاريخية في مقابل إقامة الدولة الفلسطينية ومن دون إيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين لأنها جوهر القضية الفلسطينية. وفي المقابل ليست إسرائيل مستعدة للموافقة على إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة إذا لم يوافق الفلسطينيون على إنهاء النزاع رسمياً معها والتخلي عن مطالبهم التاريخية الأخرى وأبرزها حق العودة ".
وعلق ديبلوماسي أوروبي مطلع على تحليل ماليه قائلا: "إن السؤال الكبير الذي يمتنع الأطراف المعنيون عن طرحه علناً هو: هل يجب الاصرار على تأمين حق عودة اللاجئين أو قسم كبير منهم الى إسرائيل ولو أدى ذلك الى وقف المفاوضات لأن الإسرائيليين يرفضون حق العودة، أم يجب إعطاء الأولوية لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة؟ هل يجب طلب المستحيل، أي حق العودة والتخلي عن الممكن والمحتمل؟ وهل القضية الفلسطينية هي قضية لاجئين أم قضية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة تكون وطناً جديداً للشعب الفلسطيني؟".