لا يمكن الحديث عن أي تطوّر في لبنان، أو عن اي قرار حتى لو كان في حجم تعيين بعض الموظفين، إلا في ضوء الأجواء والعوامل والمواقف الاقليميّة المائلة دائماً نحو التأزّم، وتحت مظلّة القضيّة الفلسطينيّة البائسة التي يعتبرها العرب السبب الرئيسي في ابقاء المنطقة فوق صفيح ساخن.
ولأن ما من حدث عربي أو اقليمي، مهما تناهى في الصغر، يمكن أن يُعفي لبنان من قسط من المسؤولية وحصّة من الذيول، نجد مَنْ يذكّرنا عند المنعطفات والقرارات الداخليّة بهذا التدخل الخارجي في الشؤون اللبنانية، وعَبْر أفرقاء لبنانيين أساسيّين في التركيبة، وفاعلين ومؤثّرين حتى في العادي جداً من القرارات والاجراءات.
من هذه الزاوية يتوجّب على لبنان ومسؤوليه التعامل مع قرار وزراء الخارجية العرب الأخير، والذي "يرخّص" للرئيس الفلسطيني محمود عباس بالتفاوض غير المباشر مع اسرائيل، وضمن مهلة لا تتعدّى الأشهر الأربعة.
واللافت في هذا القرار العربي الجريء، الذي خالفت سوريا إجماعه، انه اعتبر المبادرة العربيّة والتسهيلات العربيّة والتغطية العربية بمثابة "محاولة أخيرة" لتسهيل الجهود الأميركيّة في مبادرتها الخجولة، وعلى رغم اقتناع معظم الدول العربيّة بعدم جديّة اسرائيل في السعي الى السلام.
ولكن، لقطع الطريق على المراوغات الاسرائيلية، وتالياً للحؤول دون إلقاء واشنطن تبعة أي فشل يصيب جهودها في حقل الألغام الاسرائيلي على العرب وكجاري العادة.
ليس من الضروري، هنا، السؤال عن دور لبنان ومسؤوليته في حال الفشل، وفي حال التأزّم والتصعيد حتى الانفجار.
فلبنان هو الساحة، وعلى أعين جميع اللبنانيين والعرب والعالم. والتصفيات تتمّ عادة على بيادره وساحاته. إما مباشرة، وإما بالواسطة. والأمثلة كثيرة، ولا يحتاج مَنْ يفتّش عن الحقيقة الى من يدلّه الى وقائع وأمثلة وإثباتات تؤكّد صحّة هذا "الزعم".
مَنْ لا يعرف حقّ المعرفة ان لبنان هو المتضرّر الأكبر، بعد الفلسطينيين، من النكبة والنكسة وما تبعهما وانبثق منهما من حروب وأزمات جعلت البلد الصغير يغرق في دمائه وبين اشلائه وركامه وحرائقه طوال أربعة عقود؟
ومَنْ لم يسمع ويشهد ويعلم كيف تحوّلت مساحة العشرة آلاف والاربعمئة والاثنين والخمسين كيلومتراً مربعاً دويلات، ومحميات، ومربعات أمنيّة، منوّعة، ومختلطة، وبين اللبنانيّين؟
على هذا الأساس، وفي ضوء الوقائع القديمة المستجدّة، مطلوب من اللبنانيّين أن يتحلوا ببعض الحكمة والتفكّر والتعقّل، حتى وإن كان هذا الفريق أو ذاك يسمح لنفسه أن يحل محل الدولة… ويتخذ نيابة عنها قرارات ومواقف تتصف بالمصيريّة… ومن غير أن يرفّ له جفن!
لا شيء يدعو الى قلق إضافي، على رغم كل الضجيج المستجد على المنابر وعَبْر المرئي وغيره، وعلى رغم تصرفات أطراف في الحكومة لا توحي بمجملها أن الفاتحين على حسابهم قد انضموا الى الدولة اللبنانيّة.
مَنْ يدري ومَنْ يقول إنهم لا يتوقّعون "انضمام" الدولة الى دويلتهم وجديّاً، لا بين الجدّ واللعب.