لئلا يستمر الشلل والجمود في الحكومة والمؤسسات
سليمان والحريري اتفقا على تطبيق المادة 65 من الدستور
حسناً فعل الرئيس سعد الحريري بالعودة الى المادة 65 من الدستور لحسم الخلافات عندما يتعذر التوافق، وإلا ظلّت المواضيع المطروحة على مجلس الوزراء تدور في حلقة مفرغة وتؤجل من جلسة الى جلسة، وهو ما اعتمده الرئيس ميشال سليمان ايضاً عند البحث في تعيينات تعذر التوافق عليها في الحكومة السابقة.
وكما أعلن الرئيس سليمان غير مرة أن العودة الى الدستور هي التي تٌخرج لبنان من الأزمات وتحسم الخلافات، وأنه يرفض أن يكون رئيساً لإدارة الأزمة بل لمعالجتها، ولا رئيساً يمشي بين النقاط بل ليزيلها ثم يمشي، فإن الرئيس الحريري لفت في حديث له الى أن الحكومة وضعت في البيان الوزاري أولويات الناس ونالت الثقة على أساسه، وأن الذين يراهنون على فشل الحكومة هم الذين سيفشلون، وأن من يريد الكهرباء والطرق عليه أن يدفع سعرها، وإن على الدولة أن تحافظ على الميزانية لتحول دون انهيار الليرة اللبنانية.
وتقول أوساط الرئيس الحريري أن الجميع يعرفون انه لم يكن "مستقتلاً" للوصول الى رئاسة الحكومة، وليس مستعداً لأن يترأس حكومة تراوح مكانها وتسحب من رصيده السياسي والشعبي، وأن يكون شريكاً في إدارة الأزمات أو إدارة التوازنات السلبية داخل الحكومة وخارجها. وهو يعلم أن يداً واحدة لا تصفق لكنها تصفق عندما تكون يده ويد الرئيس سليمان والوزراء والقيادات التي تقدم مصلحة الوطن والمواطن على كل مصلحة.
الواقع، أنه اذا كانت الظروف الاستثنائية فرضت تشكيل حكومات استثنائية تجمع الأكثرية والأقلية فيها، أي حكومات من سلبيتين لا تؤلفان وفاقاً وتوافقاً على كل شيء، وان ليس في الامكان بحكم هذه الظروف تطبيق النظام الديموقراطي الذي تحكم الأكثرية بموجبه والأقلية تعارض بسبب وجود الطائفية والمذهبية وتهديد نواب وسياسيين من طائفة أو مذهب بعدم المشاركة في أي حكومة إلا بشروطهم وبعد استجابة مطالبهم، وكذلك وجود سلاح خارج الشرعية لا يهاب سلاح الدولة ولا سلطتها وقوانينها، وتتحاشى السلطة الصدام معه خوفاً على العيش المشترك والسلم الاهلي وخوفاً من فتنة، فإن أحكام الدستور ينبغي أن تبقى محترمة ومعمولا بها الى أن يصير اتفاق على تعديلها.
وقد قبل الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة من الأكثرية والأقلية لأنه أخذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية، حتى إذا ما زالت يعود تشكيل الحكومات طبقاً للنظام الديموقراطي الذي يبقى أفضل وأسلم من أي أنظمة أخرى، سواء منها الانظمة التي تأتي بها الانقلابات العسكرية وكذلك الأنظمة الديكتاتورية والحزبية والشمولية، لأن ليس للشعب رأي فيها ولا قرار.
وفي انتظار العودة الى النظام الديموقراطي وتطبيقه تطبيقاً دقيقاً وصحيحاً، ينبغي أن تحرص الحكومة على تطبيق أحكام الدستور الى أن يصير اتفاق على إدخال التعديلات اللازمة عليه. فالمادة 65 من الدستور تنص على أن يتخذ مجلس الوزراء قراراته توافقياً، فإذا تعذر ذلك فبالتصويت، وحدد 14 موضوعاً أساسياً تحتاج الى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. فإذا كان البعض يرى اضافة عدد آخر من المواضيع اليها لأنه يعتبرها أساسية وتحتاج الموافقة عليها الى ثلثي أعضاء الحكومة، فما عليه سوى التقدم بمشروع قانون لتعديل المادة 65 باضافة مواضيع جديدة اليها. أما أن تبقى المواضيع المذكورة في المادة 65 وتحتاج الى موافقة الثلثين ولا يحسمها التصويت بل تنتظر التوافق عليها، فهذا يحدث شللاً للحكومة ولمؤسسات الدولة، خصوصاً ما يتعلق بالتعيينات الضرورية والملحة، وما يتعلق بالموازنة العامة.
وحسناً فعل الرئيس بري، الحريص هو ايضاً على الدستور بإعلان قبوله اللجوء الى التصويت عندما يتعذر التوافق، وما حصل في جلستي مجلس الوزراء اللتين أُقرت فيهما دفعة من التعيينات ينبغي أن يحصل في الجلسات المقبلة وبالطريقة نفسها في ما يتعلق بالموازنة اذا ظلت موضوع خلاف، اذ لا سبيل للخروج من حال الجمود والمراوحة الا بتطبيق احكام الدستور، ولا سبيل الى توفير اسباب النجاح للحكومة وللعهد وابعاد الفشل عنهما الا باعتماد ذلك. فاذا كانت الحكومة توافقية ورئيس الجمهورية توافقي، فليس معنى ذلك ان يبقى كل شيء معلقاً ومجمداً ما دام يتعذر التوافق، اذ لا بد من الاتفاق على حسم الخلافات بالاحتكام الى الدستور والى المؤسسات، وبالتصويت وإن كان اللجوء اليه سواء من الرئيس سليمان أو من الرئيس الحريري هو أبغض الحلال، وعلى الوزراء والسياسيين المطالبين بالديموقراطية "التوافقية" أن يعملوا على انجاح تطبيقها لا على افشالها بتعريض المؤسسات للشلل والحكومة للجمود والتعطيل.
لقد واجه الرئيس الشهيد رفيق الحريري في حكوماته التي زرعوا له فيها وزراء وصفوا بـ"الثوابت" لا للمشاركة في اتخاذ القرارات بل للمشاكسة والعمل على تعطيلها، فكان يضطر احيانا الى تجنب اللجوء الى التصويت لحسم الخلافات عند تعذّر التوافق لئلا ينتهي هذا التصويت بغالب ومغلوب ويكون هو الغالب لأنه كان يملك اكثرية وزارية، تقابلها اقلية مشاكسة ومشاغبة، وكان يفضل تأجيل بت المشاريع على أهميتها كي لا يعطي التصويت عليها هذا الطابع. وقد بلغ الخلاف بين اهل الحكم حد رفض ادراج مشاريع تهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري على جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء واثار ذلك خلافاً حول تفسير المادة 64 التي تعطي رئيس مجلس الوزراء حق "دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد ووضع جدول اعماله، وإطلاع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث"، فصار تفسير عبارة "إطلاع رئيس الجمهورية" بأنها تعني مشاركة رئيس مجلس الوزراء في وضع جدول الاعمال بحيث يضيف اليه ما يشاء ويحذف منه ما يشاء . كما ان الخلاف بين اهل الحكم في الماضي بلغ حد رفض طرح المشاريع غير المرغوب فيها رغم إدراجها على جدول الاعمال في الجلسة لمناقشتها فيحول التدخل احياناً دون عدم ادراجها على جدول اعمال الجلسة اللاحقة بسبب الخلاف بين اهل السلطة وتحديداً بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، فكان ما لا يتم تعطيله بعدم التصويت يتم تعطيله بعدم طرح الموضوع المثير للخلاف على مجلس الوزراء حتى وإن كان مدرجاً على جدوله فيصبح التعطيل أسلم من تطيير الحكومة. وهذا يطرح اهمية الوفاق بين اهل الحكم ولاسيما بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لأنه يضمن حسن سير عجلة الدولة.