تناقض بين البيان الوزاري وتوجهات قمة دمشق
الاندفاعة الحكومية أمام التحدي الأكبر في الحوار
صحّحت بعض الاجراءات التي اتخذتها الحكومة هذا الاسبوع، إنْ لجهة التعيينات او انجاز التعديلات على قانون الانتخابات البلدية والاختيارية واحالته على مجلس النواب، الانطباعات أو التوقعات السائدة والمترقبة عن شلل الحكومة، بحيث بدت هذه الاجراءات على رغم المحاصصة والتسويات التي اتسمت بها مفاجئة الى حد ما لكنها أعطت دفعا لهذه الحكومة كما لرئيسها ورئيس الجمهورية على حد سواء.
ويتحدث بعض الوزراء عن نية اجراء بعض التعيينات بين جلسة واخرى ولو "بالقطارة" من أجل الافادة من الزخم وتعزيز الانطباعات عن قدرة حكومة ما سمي الوحدة الوطنية على انجاز بعض الامور. وهذه التطورات ترقى الى مستوى تجاوز القطوع الحقيقي بعدما وصلت الحكومة الى حدود خط أحمر خطير بالنسبة الى وجودها واستمرارها على حد سواء، علما انها سلطت الضوء على أمرين: أحدهما ان التصويت كان مهما من حيث الشكل وهو ضروري في ظروف معينة، وان التسويات في المحاصصة قد تساهم في ايصال اشخاص غير اكفياء وغير معروفين، لكنها ضريبة للمحاصصة الطائفية والسياسية. وثمة تحديات داخلية أخرى أمام الحكومة، من أبرزها وأكثرها إلحاحا موضوع الموازنة الذي سيحسم في نظر الكثيرين عناوين التموضع الداخلي من زاوية التعامل معها واستخدامها من الافرقاء السياسيين في 8 آذار على طريقة الضغط بضربة على الحافر واخرى على المسمار وفق ما يتوقع كثيرون.
ولذلك يُعتقد أنّ التحدي سيكون أكبر في المرحلة المقبلة امام استحقاق ما يسمى طاولة الحوار وما يمكن ان تنجزه اولاً على وقع وتيرة التجاذبات غير الخافية التي تظهر في الاداء الحكومي، وثانيا بعد انتقادات كثيرة ساقتها غالبية الافرقاء السياسيين الى تركيبتها، في حين يدور جدل مباشر ايضا حول جدول اعمالها وما اذا كانت ستقتصر على موضوع الاستراتيجية الدفاعية وبت مصير سلاح "حزب الله" ام انها ستكون مفتوحة على مجموعة من المواضيع الاخرى وفق ما يضغط البعض. في عناوين هذا التحدي المباشر وفي ظل الاعتقاد ان التوافق على موضوع مصير سلاح الحزب واخضاعه للسلطة اللبنانية من ضمن ما يسمى استراتيجية دفاعية امر صعب لاعتبارات متعددة تتخطى لبنان وقدرته، ثمة مجموعة من التساؤلات من ابرزها:
اولا، ان طاولة الحوار السابقة انتهت الى نتيجتين، احداهما القرار في شأن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات على الاقل، ومن المهم الا تنطلق طاولة الحوار الجديدة من دون ان تضع هذا القرار موضع التنفيذ، لكي يكون هناك طائل وجدية، فضلا عن الصدقية، في ما يقوم به الافرقاء السياسيون على هذه الطاولة، خصوصا ان القرار يفترض ان يكون اسهل بكل المعايير من بت مصير سلاح "حزب الله" بامتداداته الاقليمية المعروفة. والنتيجة الاخرى هي انتداب الافرقاء السياسيين على طاولة الحوار ممثلين عسكريين لهم لتقديم دراسات عن سبل اعتماد استراتيجية دفاعية من ضمنها سلاح الحزب، تردد في حينه أن اسباب ذلك تعود الى ان استراتيجية الدفاع هي من مهمة العسكريين لا السياسيين، ولم ير اللبنانيّون أي نتيجة لذلك، فيما عاد الافرقاء السياسيون الى طاولة جديدة للبحث في الاستراتيجية الدفاعية مجددا من حيث المبدأ.
ثانيا، فرضت التهديدات الاسرائيلية الاخيرة على لبنان حملة سياسية واسعة قام بها المسؤولون السياسيون من مختلف مواقعهم في الداخل مع ممثلي الدول الكبرى كما في اتصالات بعواصم دول مؤثرة صديقة من أجل تجنيب لبنان حربا اسرائيلية جديدة في ضوء تكرار رئيس الجمهورية بنوع خاص ضرورة الزام اسرائيل تنفيذ القرار 1701 والانتقال من مرحلة وقف الاعمال العدائية الى وقف للنار. وكان أبرز هذه المواقف من روسيا والفاتيكان وفرنسا، الى جانب بعض الدول العربية.
من جهة اخرى، أدرجت القمة السورية الايرانية بمشاركة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله لبنان في الخط الاول للمواجهة، لا بل في صراع محوري، على غير ما ورد في البيان الوزاري للحكومة وفق ما تلاه رئيس الحكومة امام مجلس النواب في 8 كانون الأول 2009، ونالت على اساسه الحكومة الثقة بغالبية غير مسبوقة من جميع الافرقاء. وقد ورد في البند السابع من البيان "ان الحكومة ستعمل على تعزيز العلاقات مع الاشقاء العرب وتمتين الاواصر التي تشدنا اليهم، وتلتزم الحكومة نهج التضامن العربي بعيدا من سياسة المحاور، حرصا على مصلحة العرب جميعا وبطبيعة الحال لمصلحة لبنان، فلا يكون ساحة لصراعات النفوذ الاقليمية والدولية (…)".
وتاليا، هل يمكن هيئة الحوار الجديدة ان تنطلق من أبسط الامور، أي التوافق على موقف يؤكد تضامن لبنان بجميع ابنائه في وجه التهديدات الاسرائيلية واستعداد الجميع للدفاع عن لبنان في حال تعرض لادنى اعتداء، وكذلك التوافق على موقف يقي لبنان الاخطار والتهديدات الاسرائيلية عبر التمسك بتنفيذ القرار 1701 بحرفيته كالتزام مبدئي، في موازاة طلب الحماية ومنع الاعتداء من الآخرين، ويقي لبنان كل الاخطار الاخرى، ايضا على خلفية ما يحصل في المنطقة ومخاوف مسؤوليه من ارتدادات ذلك عليه، انطلاقا مما ورد في البيان الوزاري على الاقل، أي التوافق على إبعاد لبنان عن كل المحاور، كيفما كانت، من ضمن التضامن العربي مع القضية الفلسطينية.
فهذا الامر الاخير مهم أيضا بالنسبة الى طاولة الحوار بصفتها ستضم المسؤولين جميعهم من كل الاتجاهات، وعلى نحو اكثر شمولا من مجلس الوزراء. وقد تركت قمة دمشق الايرانية السورية انطباعا ان لبنان بات فعلا في محور الممانعة، في حين ان البيان الوزاري ينص على ابتعاد لبنان عن سياسة المحاور. ومن المهم ان يتضح ذلك للخارج والداخل معا، لئلا يؤخذ على لبنان في وقت من الاوقات اندراجه من ضمن سياسة محورية أو صمته على ادراجه من ضمنها من دون أي رد فعل.