تقرّر إسرائيل هدم ثلاثة أرباع أحياء القدس الشرقيّة لطرد مواطنيها المقدسيين، وإقامة ما يسمّى "حديقة توراتيّة"، ولا يرفّ جفن في العالم العربي والإسلامي ولا يرتفع صوت، ويُنسب المشروع إلى بلديّة القدس، ويُقال أنه تم تجميده، وما طرحه أكثر من محاولة جسّ نبض، حتى ترى إسرائيل إن كان هناك من سيتحرك في وجه جريمتها، ولا نسمع حسّاً ولا همساً، بعدما يأسنا من أن نسمع صوتاً!!
الآن؛ تذكّر العرب عبر وزراء الأوقاف دراسة مشروع السماح بشدّ الرّحال إلى المسجد الأقصى، الآن تذكروا، بعدما شارف مشروع تهويد القدس على الانتهاء، وبعدما علا صوت أهل القدس بما ينتظر المسجد الأقصى بعدما فرّغت إسرائيل أساساته، ووزراء الأوقاف ما زالوا محتارين تأخروا كثيراً بالتفكير، وإن وصلوا إلى قرار قد يكون الأوان قد فات!!
والأسوأ من التفكير والتدارس، "حنفيّات" الفتاوى التي تفتح ثمّ لا تنغلق، وهذه واحدة من مصائب العالم الإسلامي والمسلمين، مع أن الأمر النبوي واضح لا لبس فيه بشدّ الرحال إلى الأقصى وفي حال عدم الاستطاعة، الأمر النبوي واضح أيضاً، بأن نرسل الزيت لإسراج قناديله!!
وبدلاً من أن يُعقد مؤتمر قمة إسلامي، يتمّ التعاطي مع المسجد الأقصى كما لو أنه "وقف" لا أكثر، لا واحد من المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرّحال، ولا كأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين، وما علمنا أن في العالم العربي من يشغل منصباً وظيفيّاً حتى لو كان بدرجة وزير يستطيع أن يأخذ قراراً إسلامياً مصيرياً على مستوى المسجد الأقصى، في وقت لم يستطع فيه وزراء الأوقاف اتخاذ قرار في موضوع رفع الأذان، وتوحيده، أو جعله مسجّلاً، أو ربط كل المساجد بأذان واحد، مع أنّ في هذا تعطيل للأذان ولدور المؤذن، ويريدون أن يقرروا: هل يسمحوا ويقرّوا شدّ الرحال إلى المسجد الأقصى لحمايته وحماية القدس من التهويد، أم في زيارة الأقصى والصلاة فيه، ومؤازرة أهل بيت المقدس العزّل الذين يواجهون جهد الطاقة ما يتعرّضون له يومياً شبهة أو جريمة "تطبيع"؟!
وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل لإعلان نفسها "دولة يهودية" تمهيداً لإزالة كل أثر مسيحي وإسلامي عن القدس الشريف، فالأقصى والقيامة والمهد سواء عندها في النكران، وأي هدم يصيب المسجد الأقصى سيصيب كنيسة المهد، وأي تهويد للقدس إلغاء لكونها قبلة أنظار للمسلمين وإلغاء لبيت لحم وكونها قبلة أنظار المسيحيين..
تأخر العرب كثيراً في التفكير، وبدلاً من أن يتمسكوا بالقدس تركوا صيداً سهلاً لليهود، والآن قرروا أن يفكّروا، وما محاسن الصدف، أنهم إن فكروا اختلفوا، وإن اختلفوا أجمعوا على أن لا يتفقوا، أو إن فكروا عجزوا عن أن يقرروا، وقد يحتاجون ربع الى قرن للوصول إلى قرار في شأن القدس الشريف، فيما تهويد القدس تضع إسرائيل في اعتبارها أن تنجزه في نصف عقد من الزمن، ستهدم البيوت وتطرد السكان المرابطين المانعين للتهويد، وستبني "حديقة توراتية"!!