يستحيل الجمع بين منطق "توحيد المسلمين" وبين منطق "توحيد الأقليات" تحت قيادة "المقاومة"
ثنائية 8 و14 آذار مستمرّة.. ربما لعقود
.
منذ إنقسام البلد بين ساحتي 8 و14 آذار وثمّة من يتوقّع تجاوزاً سريعاً لهذه الثنائية.
جرى التوقّع بادىء ذي بدء بأن تنقضي هذه الثنائية من تلقائها في إثر إنسحاب القوات السوريّة. وهذا لم يحدث. ثم جرى التوقّع بأن تتحلّل هذه الثنائية بموجب الإستدارات والتسويات المرافقة لإنتخابات 2005 النيابية، وتحت وطأة "التحالف الرباعي". ولم تنقض أشهر قليلة حتى تبيّن أنّه ليس في الواقع ما يسند هذا التوقّع. فبعد هذه الإنتخابات، ومع تمادي حرب الإغتيالات، اعتمدت حركة 14 آذار إطار الجبهة السياسيّة الإئتلافيّة ذات القيادة المشتركة. أمّا حركة 8 آذار فلم تتخذ شكلاً مشابهاً، ولم تنعقد جبهتها منذ أيّام "لقاء عين التينة". كذلك لم يؤدّ الإختلاف في التنظيم الجبهوي إلى تجاوز أو إلى تراجع الإستقطاب الحاد بين 8 و14 آذار.
وفي 6 شباط 2006، هناك أيضاً من توقّع، أن يعاد خلط الأوراق، بموجب "تفاهم مار مخايل" بين "حزب الله" و"التيار العونيّ" بما يؤدّي إلى تجاوز ثنائية "8 و14"، أي إلغاء 14 آذار بالدرجة الأولى.
وقّعت "وثيقة التفاهم" على إفتراض أنّ "التيار العونيّ" يجسّد "14 آذار الحقيقيّة" أو "التاريخيّة". على هذا الأساس أمضى فريق "8 آذار" عاماً كاملاً وهو يسمّي "قوى 14 آذار" على غير التسمية التي أختارتها هذه القوى لتحالفها الجبهويّ، فيتصوّر أنّه يحرج هذه القوى حين يخلع عليها تسمية "قوى 14 شباط"، كما لو كان الإنتساب إلى ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، التي توحّد ميدانياً، مئات آلاف المسلمين والمسيحيين في ساحة الشهداء كل عام، تهمة.
ومن وقتها تسارعت التوقّعات بتجاوز ثنائية 8 و14 آذار، بإتجاه إلغاء 14 آذار طبعاً. فمن حرب تمّوز إلى يوم النصر إلى يوم الإعتصام المستديم سنة ونصف السنة إلى 7 أيار، استمرّت دار لقمان على حالها: توقّعات خائبة بتجاوز ثنائية 8 و14 آذار، وبإلغاء 14 آذار. محاولة خائبة أيضاً في "تزوير الصراع" وجعله بين "حكومة إستئثار" من جهة وبين "معارضة وطنية" من جهة أخرى. وسط كل هذه التوقعات والمحاولات الخائبة، كان على "قوى 8 آذار" أن تعود إلى جادة المنطق، فتسمّي "قوى 14 آذار" مجدّداً، بالإسم الذي اختارته جماهير 14 شباط من كل عام لنفسها.
إلا أنّ الإتجاه لم يكن يومها للمنطق بشكل عام، وإنّما لإستخدام العنف.. الموضعيّ.. أي ضدّ "القسم الإسلاميّ" من الحركة الإستقلاليّة. من 7 أيّار إلى إتفاق الدوحة الموقع في 21 آيار 2008، كان مصير 14 آذار فعلاً على المحكّ. كانت هناك إمكانية جديّة بين هذين التاريخين لضرب وحدة الحركة الإستقلالية وإستمراريتها. وقد ثبت لاحقاً أن قدرة الحركة الإستقلالية بمجموعها على توقيع صلح الدوحة عطّل مثل هذه الإمكانية.. وكل ما حصل لاحقاً ما كان إلا مضاعفات ثانويّة.
فمنطق 7 أيار كان يعني إمّا الدفع بالإستقطاب "المذهبي" السنيّ الشيعيّ إلى الأمام، بحيث يصير الإستقطاب "السياسيّ" بين 8 و14 آذار ثانويّاً، ثم مندثراً من تلقائه. وإمّا الدفع بالأمور بإتجاه العودة إلى منطق "التحالف الرباعيّ"، أي بحيث يجري تعطيل الحياة السياسية في الطوائف الإسلاميّة، تمهيداً لإعادة المناطق المسيحية إلى مناخات "الإحباط" الكئيبة في عقد التسعينيات من القرن الماضي.
وبالفعل برزت إشارات وتصريحات وزيارات و"مصالحات" في أحد هذين الإتجاهين. إلا أنّ الأمور بشكل عام أعادت إنتاج الإستقطاب على أساس "8 و14 آذار" ليس بالشكل الصداميّ، وإنّما بشكل الإستقطاب الشامل على كامل رقعة الوطن، كما في إنتخابات 2009. وبعد أنّ كانت "قوى 8 آذار" ترفض تسمية "قوى 14 آذار" باسمها عام 2006، ما عاد يماري أحدٌ من العونيين على تصنيف تيّارهم جزءاً من "قوى 8 آذار".
صحيحٌ بأنّ "إعادة تموضع" الزعيم الدرزي وليد جنبلاط خلقت مشكلة عميقة في داخل بنيان 14 آذار، لكن بقاء "اللقاء الديموقراطي" في إطار الأكثريّة، وإبتداع التمايز بين "قوى 14 آذار" كجبهة سياسية وبين الأكثرية كأكثرية برلمانية، كان كفيلاً بإمتصاص جزء من المشكلة، أو على الأقلّ الإيحاء بأنّها مشكلة "مؤقّتة".. وأنّ طابعها "المؤقّت" إنّما تؤكّده عدم قدرة "قوى 8 آذار" على الجمع بين منطقين في غاية التبيان.
فـ"قوى 8 آذار"، وبالدرجة الأولى تنظيمها الطليعيّ الجماهيريّ المسلّح، "حزب الله"، يعتمد مع المسلمين منطق "الوحدة الإسلامية الإسلامية تحت قيادة المقاومة"، ويعتمد مع المسيحيين منطق "تحالف الأقليّات تحت قيادة المقاومة". لو نجح هذان المنطقان في الوقت نفسه لأمكن فعلاً تجاوز ثنائية 8 و14، والغاء 14 آذار. إلا أنّ من طبيعة هذين المنطقين أنّهما لا يجتمعان وينجحان في الوقت نفسه.
أما لو قرّر "حزب الله" إعتماد أحد هذين المنطقين دون الآخر، أي إما التعويل على "وحدة المسلمين" وإمّا التعويل على "تحالف الأقليّات"، لكان من الممكن حينها تجاوز ثنائية 8 و14. هذا ممكن منطقياً، إنّما المانع دون ذلك هو طبيعة "حزب الله" نفسه. فهي طبيعة "مذهبية"، بل "مذهبية أيديولوجية" بالشكل الذي لا يخدم منطق "توحيد المسلمين تحت قيادته" أو "تحت مقاومته". وهي طبيعة "إسلامية" بل "إسلامية متشدّدة أيديولوجيّاً" و"مسلّحة" قبل كل شيء آخر، بالشكل الذي ليس بمستطاعه تسويق فكرة "تحالف الأقليّات".
وطالما أنّ "حزب الله" غير قادر على الجمع المريح والمربح بين منطق "توحيد المسلمين تحت قيادة المقاومة" أو "تجميع الأقليات تحت قيادة المقاومة"، وطالما أنّ طبيعة تمنع إعتماد أحد المنطقين دون الآخر، فإنّ الثنائية "السياسية" بين 8 و14 آذار مستمرّة، و"الوحدة الوطنية الحكومية" لا تبطل هذه الثنائية، وإنّما تعيد إنتاجها بأشكال قد يتوه البعض في تفاصيلها، وفي مؤثّراتها الإقليميّة.. إنّما لا داعي للتيه إن ألتقطت القضية المركزيّة: قضيّة السلاح كأداة لإحلال هيمنة طائفة على طائفة أخرى، وكأداة لمنع إستقرار لبنان كدولة لها ما للدول الأخرى وعليها ما على غيرها من الدول.
ولو افترضنا أنّ ظاهرة "حزب الله" قد تستمرّ لقرن كامل فهذا يعني من تلقاء نفسه أنّ ثنائية 8 و14 آذار ستستمرّ هي الأخرى لقرن كامل، ويبقى السؤال حول شكل تطوّر هذه الثنائية.. أي شكل وعيها اليوميّ لحقيقة إمتدادها زمنياً أكثر ما توقّع لها الكثيرون منذ 2005 وإلى يومنا. ونحن نتحدث هنا عن وعي يومي لمشكلة تاريخية من جانب قوى ذات طبيعة تقليديّة إن في 14 آذار، أو في 8 آذار عدا "حزب الله". والقوى التقليديّة لا تألف بمجوعها منطق "التعبئة الدائمة". وحده "حزب الله" يألف "التعبئة الدائمة"، وبألفته إيّاها فهو يعيد "تعبئة" الإستقطاب بين 8 و14 آذار، حتى ولو حبّرت مئات المقالات الإضافية التي تفتي بقرب تجاوز هذا الإستقطاب لأمر من هنا أو من هناك.