
أكد عضو كتلة القوّات اللبنانية النائب انطوان زهرا أن لبنان الوطن- الرسالة هو لبنان الشراكة والحوار والانفتاح تأسيساً على فكرة قبول الآخر، واستمرار هذا الوطن مرهونٌ بوجود دولة قويّة، قادرة، عادلة وديمقراطية تحترم التنوّع وترعاه، وتعترف بالأسباب التي اقتضت نشوء لبنان مساحةً للحريّة بكلّ أبعادها في هذا الشرق. وعليه، فإنّ سرّ تمتّع الموارنة بدورهم السياسي ماضياً وحاضراً، وقدرتهم على الاستمرار في لعب هذا الدور مستقبلاً، يكمن فقط في التميّز برفض القبول بعيش حال الذمّيّة خاصّةً في الإطار السياسي.
زهرا نقل زهرا عن المؤرّخ الد. فيليب حتي في كتابه "تاريخ لبنان" الصادر في الولايات المتحدة العام 1972: "إذا كان مارون قديس الطائفة المارونية، فإنّ يوحنا مارون المتوفّي حوالي 707، كان بطل القومية المارونية وباني موطنها على جوانب وادي قاديشا وفي ظلال الأرز، وهو كان أوّل بطريرك للطائفة، وفي عهده برزت أولى الخصائص القومية التي جعلت من هذا الشعب أمّة".
كلام زهرا جاء خلال الندوة التي نظمتها منسقية منطقة البترون والجامعة السياسية في القوات اللبنانية بعنوان "الهوية المارونية وكيان لبنان السياسي ـ من مار يوحنا مارون الى نصرالله صفير في قاعة المحاضرات في سنتر سان باتريك في بجدرفل ـ البترون في حضور المطران يوسف ضرغام، جورج حرب ممثلا وزير العمل بطرس حرب، المونسنيور برنار خشان، الدكتور نبيل الحكيم، رئيس رابطة مخاتير منطقة البترون جوزيف أبي فاضل، نائب رئيس اتحاد بلديات منطقة البترون الدكتور أديب موسى، رؤساء بلديات ومخاتير، ممثلي أحزاب وقوى تيارات 14 آذار، شخصيات من المجتمع المدني ورؤساء وممثلي مؤسسات أهلية وحشد من المهتمين.
واضاف: "من الواضح أنّ للمارونية ما يميّزها، فإلى كونها كنيسة كاثوليكية وترتبط عضوياً بالكنيسة الجامعة، وهي مسكونيّة في رسالتها، وشرقيّة في كونها كنيسة بطريركية، وميزتها أنّها كنيسة وطنية، فللظروف المعروفة ارتبط اسمها بالجغرافيا اللبنانية والكيان اللبناني. من هنا أهمّية الدور السياسي للموارنة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وليس مبالغة أو مكابرةً ربط استمرار الكيان اللبناني باستكمال بناء مؤسسات الدولة واستمرار الدور السياسي المحوري والرائد للموارنة في إدارة هذه الدولة.
وأضاف: "لو إرتضى المسيحيون الموارنة وغيرهم من المسيحيين عيش الذمّية المفروضة ايام الفتح الإسلامي لما إضطرّوا للجوء الى لبنان، ولما إضطروا لإنشاء هذا الكيان وكانوا بقوا حيث كانوا، وربما إضمحلّوا كما إضمحلّت الجماعات المسيحية الأخرى في هذا الشرق الواسع نتيجة التطوّر التاريخي. وبالتالي فإن أيّ ممارسة للذمّية هي إسهام في الوصول الى خواتيم لم يردها الله ولا المسيحيين في لبنان ارادوها. والسؤال الذي يتبادر الى الأذهان هنا هو حول كيفية ترجمة هذا الرفض وصرفه في المعادلة السياسية الوطنية. والجواب البديهي والعاقل هو في الإصرار على العبور الى الدولة السيّدة الحرّة المستقلّة التي ترعى مؤسساتها الدستورية والشرعية شؤون المواطنين وشجونهم سواسيةً في ظلّ القانون، والانخراط الماروني في مشروع الدولة هذه من جهة، والحرص على ديمومة ما جاء في الدستور حول المناصفة والشراكة والتعايش والعيش المشترك من جهة ثانية. والأمر الثالث الملحّ في هذا المجال نقرأه أيضاً في قول د. حتّي "إنّ البطريرك القدّيس المقاوم يوحنا مارون استطاع بدهائه أن يردّ خليفة المسلمين باليد الواحدة وأمبراطور الروم بالأخرى".
وتابع متسائلا: "أليست الترجمة العملية لهذه السياسة الحكيمة التي اعتمدها يوحنا مارون قبل 1300 عام يفترض أن يعني اليوم سياسة لا شرق ولا غرب، ولا محاور إقليمية ممانعة أو معتدلة، بل سياسة حكيمة لبّها وعمادها وعامودها الفقري لبنان أوّلاً وأخيراً في كلّ المحافل وعلى جميع المستويات؟".
وختم النائب زهرا: "وكما بدأت بمؤرّخ من أصلٍ لبناني، أختم مع المؤرّخ Edward Gibbon صاحب كتاب "تاريخ الأمبراطورية الرومانية" الصادر في لندن عام 1898 الذي كتب: "عمّرت هذه الأمّة (الأمّة المارونية) الصغيرة والمحتشمة أكثر ممّا عمّرت أمبراطورية القسطنطينية التي اضطهدتها"، مضيفا: "أنّ المهمّ اليوم هو أن يعمّر حضورنا السياسي الشريك والمشارك في الحياة العامة في لبنان الى أبد الدهر على الرغم من كلّ مشاريع الاضطهاد التي يحلم بها البعض ويتمنّاها البعض الآخر".
وأكد "أن إستمرار الحضور السياسي للموارنة فاعلاً وأساسيّاً يفترض جملة مسلّمات رافقته على مدى التاريخ القديم والحديث، أهمّها الالتفاف حول بطريركية أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة، حزمةً واحدة لا تقوى عليها الأعاصير، دعم موقع رئاسة الجمهورية والإيمان وعدم الخوف كما علّمنا الربّ يسوع عندما قال: "شعور رؤوسكم محصاة، لا تسقط واحدة منها إلاّ بإرادة أبيكم الذي في السماوات".
وكانت الندوة بدأت بالنشيد الوطني اللبناني وأدارها الخوراسقف سمير الحايك الذي أشار الى وجود مرحلة تاريخية تعصف بلبنان الوطن والكيان والدولة، من الخارج ومن الداخل، رياح قوى عاتية تخطط له أن يكون على ما ترغب فيه، هي، لا على ما يحق له هو وما يجب عليه أن يكون."
ورأى أن "وطننا يتعرض حاليا لمداخلات شتى تعرقل مسيرة طبيعية من نتائجها بناء الاوطان على نحو صحيح متكامل."
وعرض لنشأة الطائفة المارونية ودورها والبطاركة "خصوصا ان الباحثين والمؤرخين والمفكرين يجمعون على ان لبنان هو مركز ثقل الوجود الماروني موحدا متماسكا، متجذرا هنا في الداخل ومنتشرا هناك وهنالك في العالم… فالموارنة عملوا على اقامة لبنان الدولة والكيان والمحافظة عليه وتثبيت نهائيته."
ثم قدم الاباتي بولس نعمان مداخلة حول نشأة الجماعة المارونية فعرّف برعايا أبرشية انطاكيا ونشأة الكنيسة المارونية والمراحل التي مرت بها. وقال: "المارونية من حيث النشأة هي مذهب فكري لاهوتي مسيحي، له صفته المميزة المتصلة بحضارة قديمة، هي الحضارة الآرامية السريانية، والمطبوعة بطابع مسيحي خاص، هو روحانية القديس مارون، قبل ان يكون طائفة، حسب المفهوم المتداول للكلمة، محصورة العدد تدور في حلقة الصراع الطائفي تنازعا للبقاء".
وأضاف: "ان الموارنة اتفقوا مع الخلقيدونيين الانطاكيين، اي الملكيين، على البقاء مع الكنيسة الجامعة، مع كنيسة روما بنوع خاص، لكنهم اختلفوا معهم بحفاظهم على خطهم التراثي الفكري الانطاكي، لأن الملكيين الانطاكيين، سوف يدخلون، فيما بعد، في تراث بيزنطية ويندمجون فيه كليا. وان الموارنة، وان اتصلوا بروما، فانهم لم يندمجوا معها على رغم محاولات الليتنة المتكررة، منذ العهد الصليبي حتى اليوم، بمختلف الاشكال، بل ان الليتنة بقيت، حتى في الأوقات التي كان فيها الموارنة بأشد الحاجة الى الغرب، عرضية لا تطال الا الاشكال الطقسية وبعض المفاهيم التعليمية."
وتابع: "لقد اتفق الموارنة، مع السريان الاورثوذكس اللاخلقيدونيين، بحفاظهم على خطهم التراثي والفكري والروحي، لكنهم اختلفوا معهم، منذ المجمع الخلقيدوني، برفضهم الانفصال عن الكنيسة الجامعة وعن روما بنوع خاص. والكنيسة المارونية لو لم يتوفر لها حظ الالتقاء، عقائديا، مع كنيسة روما والغرب، لأصبح مصيرها كمصير بقية الكنائس، التي تعرف اليوم بالكنائس الوطنية المستقلة. ولو لم تتمسك بلغتها وطقسها وخطها الحضاري التراثي، لكان حظها كحظ الكنيسة الانطاكية الملكية، التي اندمجت في تراث بيزنطية وانفصلت معها في القرن الحادي عشر عن كنيسة الغرب. لذلك التمسك بالخط الحضاري الوطني، والارتباط بالكثلكة العالمية، مع الاحتفاظ بروحانية القديس مارون، هما الموقفان اللذان كفلا هذا النوع من الوجود للموارنة".
ورأى أن "المارونية هي احدى أنجح تجسدات الفكر العملي والتركيب المسيحي في هذه المنطقة، لأنها استطاعت أن توحد في ذاتها التقوى الشخصية والأمانة للكنيسة الكاثوليكية الجامعة بما أنها دين، كما استطاعت ايضا، أن توحد، في ذاتها، الثقة المطلقة بالانسان المتطور والمتجدد، والأمانة الكبرى لخطها الفكري الحضاري التراثي بما انها أمة. استطاعت في الوقت ذاته أن تكون دينا ودولة من دون أن تدوّل الدين وتديّن الدولة."
وتناول سر تحوّل المارونية من مذهب فكري روحي، الى طائفة مناضلة شبه قومية مرتبطة بوطن معين وقال:"ان المارونية تحولت مع الفتح العربي وبعد محاولة بيزنطية تدويل المسيحية، اي تسخيرها في سبيل مصالح الدولة والحكم، من مذهب فكري روحي الى شبه قومية، ذات نظام اقطاعي او ديني، كفل لها الوجود مدة من الزمن. فتسمرت مع صخور لبنان وثبتت وصمدت حتى كانت الحملات الصليبية المؤسفة، التي هي بدورها محاولة غريبة لتدويل المسيحية وتسخيرها في سبيل غايات سياسية. لكنها اتاحت للموارنة فرصة الانفتاح على العالم. ولم يفكروا آنذاك مطلقا في ارساء اية قواعد لأي وطن ديني خاص بهم، لأن الاوطان القومية تتنافى مع الرسالة المسيحية "،والمارونية كما راينا، مسيحية قبل كل شيء. لذا كانوا خلال تاريخهم الطويل، في سوريا أو في لبنان، مخلصين أوفياء لعقيدتهم أولا وللدولة ثانيا مهما كان شكل الدولة ولونها. همهم الوحيد التزام ديانتهم عيشا فعالا على خطى معلمهم بألم وصبر وبطولة".
ثم كانت مداخلة لراعي أبرشية البترون المارونية المطران بولس اميل سعاده عن "يوحنا مارون من الجماعة الى الكنيسة" وقال: "إن المارونية في أساسها ومنطلقاتها هي تيار فكري وروحي نسكي خلقيدوني تبلورت مع الزمن وفي قلب المحن فأصبحت حركة حضارية تجذرت في قلب الكنيسة السريانية الانطاكية. ومع تأسيس البطريركية المارونية وانتخاب أول بطريرك في دير مار مارون على العاصي تجسد هذا التيار الروحي في شعب متمايز هو الشعب الماروني كما جاء انتخاب أول بطريرك ماروني فعل تحد بارز على الصعيد الكياني والانساني والاجتماعي. فالماروني رقد عن خصائصه الذاتية رفض أن يذوب ويتلاشى ويموت. رفض الأمر الواقع يفرض عليه فرضاً من بيزنطية ومن الفاتحين العرب. رفض التدخل في شؤونه الداخلية فسعى إلى أن يكون مستقلاً يدير شؤونه الكنسية والاجتماعية والإدارية بذاته".
أما الباحث الجيوبوليتيكي الدكتور نبيل خليفه فتحدث عن "الكنيسة ونشأة الكيان اللبناني" واستهل كلامه بالوصف الذي أعطاه بعض المؤرخين للبنان "انه البلد الحلم بالنسبة للموارنة" وقال: "ان هذا الحلم الذي بدأ واستمر منذ القرن الثامن تحقق العام 1920 باعلان لبنان الكيان: لبنان الكبير. وكان للكنيسة المارونية طوال تاريخها، من زمن بطريركها الاول مار يوحنا مارون مرورا بالبطريرك الياس الحويك الى زمن بطريركها الحالي الرابع والثمانين مار نصرالله بطرس صفير اليد الطولى في الدعوة الى هذا الكيان وبلورته ودعمه وانجازه والمحافظة عليه داخل الجماعة المارونية وفي الاطار اللبناني وفي المحافل الدولية. لقد جعلت عوامل الروح والقلب والعقل والادارة والجغرافيا والتاريخ من لبنان رمزا مارونيا بامتياز وقيمة لبنان انه رمز. وهذه الرمزية تحمل بعدا لاهوتيا يتجاوز الابعاد السياسية والجغرافية لدى الموارنة وغيرهم: أشخاصا واحزابا ومنظمات وتيارات وعقائد سواء داخل لبنان أم في جهات العالم الاربع. فلبنان بهذا المعنى كان وسيبقى النقطة المركزية التي تقدم المعنى اللاهوتي للتاريخ الماروني للمسيحيين وللمسلمين على السواء: من اننا في بلد وجودنا مبني على ميثاق وكياننا تعبير عن قضية، قضية الانسان بمعناه الشخصاني والحضاري واللاهوتي أمام الله وأمام وجه التاريخ."
ثم علل اسباب كيان لبنان كضرورة دولية دينية حضارية مشددا على "ضرورة الاعتراف بنهائيته واعلان حياديته والمحافظة عليه وحمايته والالتفاف حول الكنيسة المارونية في دورها الوطني خدمة لهذا الكيان الامس واليوم وغدا".
وختم: "ان التحولات الكبرى التي شهدها ويشهدها لبنان مؤخرا وخاصة على صعيد طوائفه الكبرى تجعل من الميثاقية مدخلا الى الكيانية ومنها الى القضية اللبنانية. فليس علينا ان نتشبث بمفهوم غامض أو طوباوي للكيان بل علينا أن نعرف لأجل ما يجب أن نكون. وفي هذا نردد مع الاب ميشال الحايك: "لبناننا هو الوحيد في العالم الذي جعل وجوده قضية. لاجلها كان وسيكون أو لن يكون، بدونها لا حاجة لوجوده ومعها وجوده ضرورة عالمية".