كتبت هيام قصيفي في "النهار": مع معاودة اعمال طاولة الحوار في بعبدا غدا، تطرح مجددا اهمية المشاركة العربية في مواكبة المؤتمر انطلاقا من اهمية العنوان الرئيسي الذي سيناقشه المؤتمرون، وهو الاستراتيجية الدفاعية.
يعتبر المدافعون عن فكرة المشاركة العربية ان ثمة ضرورة ملحة لمواكبة عربية فاعلة في مناقشة هذا البند الذي يتعدى الاطار المحلي اللبناني الداخلي. وفي رأي هؤلاء ان مقاربة ملف سلاح "حزب الله" ولا سيما في هذه المرحلة الدقيقة من عمر منطقة الشرق الاوسط، لا يمكن ان تكون مقاربة داخلية بحتة، ولا تعتبر في اي حال تفصيلا لا يرغب الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى فيه، بحسب ما نقل عن لسانه انه لا يود التدخل في تفاصيل الحوار الداخلي.
فملف سلاح "حزب الله" والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات، لا يشكلان سوى الذراعين المباشرتين لايران وسوريا في لبنان، مع ما يحمله هذان العنوانان من تداعيات على الساحة اللبنانية والاقليمية، وقدرتهما على احداث خلل في التوازنات المحلية الداخلية، واشاعة توتر يمكن ان يبدأ في لبنان وينتهي باشعال المنطقة باسرها.
ولا شك في ان اهمية الدور العربي الذي يعول عليه في مواكبة الحوار اللبناني، تكمن في الحفاظ على التوازنات العربية واستطرادا الداخلية، وفي انه قادر في لحظة من اللحظات على ان يكون مظلة واقية للبنان، كما حصل لدى صياغة الطائف وحديثا لدى صياغة اتفاق الدوحة، او حتى في تعريضه مجددا للخطر اذا ما سحب الغطاء العربي كما حصل في تنفيذ الطائف، وتداعيات اتفاق الدوحة حين حدث خلل في الرعاية العربية له.
سجل التدخل العربي اقوى حضور له انحيازا الى القضية اللبنانية عام 1989 ابان الفراغ الرئاسي في لبنان وانفجار الوضع الامني فيه. تمثل هذا التطور في اللقاءات التي عقدتها اللجنة السداسية في تونس للاستماع الى وجهة نظر الاطراف اللبنانيين من الازمة، ثم في عقد مؤتمر القمة العربية غير العادي في الدار البيضاء بين 23 ايار عام 1989 و25 منه، وصولا الى البيان الذي صدر عن اللجنة الثلاثية التي ضمت العاهل السعودي فهد بن عبد العزيز والملك المغربي الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد اواخر آب من العام نفسه والذي شكل للمرة الاولى تطورا تاريخيا في تعامل الدول العربية الفاعلة مع القضية اللبنانية ووقوفها ضد التدخل السوري في لبنان.
ظهر الانقسام الحاد بين محورين عربيين، نتيجة الخلافات التي عصفت اثناء التحضير لبيان قمة المغرب والقرار الذي عرف باسم "قرار الازمة اللبنانية" والذي تحدث للمرة الاولى عن "التدخلات الخارجية" في لبنان اضافة الى الاحتلال الاسرائيلي، وانهاء الاحتلال الاسرائيلي – الاجنبي وبسط سيادة الدولة وسلطتها الفعلية. لم يسم القرار سوريا بالاسم بعد التعديلات التي ادخلت على القرار بصيغته النهائية نتيجة رفض دمشق مقارنة وجودها في لبنان بالاحتلال الاسرائيلي، ورفضها حتى ذكر عبارة "الاطراف في المشكلة اللبنانية" وتحويلها الى "عبارة الاطراف اللبنانيين". لكن ما لم يذكره القرار صراحة عبرت عنه المداخلات العربية التي سجلت تحميلا مباشرا لدور سوريا في الازمة، وصولا الى قول الرئيس المصري حسني مبارك انه ابلغ الاسد "ضرورة خروج القوات الاجنبية ومن بينها السورية من لبنان". كان رد الاسد واضحا حين كرر العبارة التاريخية المعروفة "ان هناك علاقات قديمة بين سوريا ولبنان يحكمها التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك". لافتا الى ان اللبنانيين هم اصحاب المشكلة وعليهم ان يحلوها بانفسهم". اما العاهل المغربي فاكد في اطلاقه عمل اللجنة الثلاثية التي اوكل اليها متابعة الاتصالات "ان سوريا ملتزمة الخروج من لبنان".
بين ايار وآب 1989 كان الوضع اللبناني يزداد تفجرا، تحت وطأة حرب التحرير والقصف السوري، وكانت دمشق في المقابل ترد على المحور العربي المناهض لها بعبارة رددها الاسد مؤداها ان بلاده "ستقدم كل مساعدة ممكنة للبنانيين في تحقيق الوفاق"، ونائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع ان بلادهما ملتزمة تطبيق مقررات الدار البيضاء. الى ان جاء بيان اللجنة الثلاثية، ليضع الاصبع على الجرح مرة نهائية. شرحت اللجنة باسهاب الاختلاف في النظرة العربية والنظرة السورية الى معالجة الوضع اللبناني الى ان ختمت بان "اختلاف المنظور الذي طرحته اللجنة عن المنظور الذي طرحته سوريا حول بسط السيادة يشكل اهم عقبة واجهتها اللجنة ذلك ان المنظور السوري من شأنه تعطيل امكان تحقيق الاجزاء الاخرى التي احتوتها وثيقة الوفاق المقترحة، وهذا التصور هو الذي حدا اللجنة على ان تعلن في بيانها اننا وجدنا انفسنا في الجانب السياسي امام طريق مسدود، كما اننا وجدنا انفسنا في الجانب الامني امام طريق مسدود".
كان عمل اللجنة الثلاثية هو المقدمة لصياغة اتفاق الطائف، وقال موفد اللجنة الاخضر الابرهيمي خلال وجوده اخيرا في بيروت ان "التسويات تحتاج الى آلية متابعة" وان آلية المتابعة التي اقرتها قمة بغداد عام 1990، واستتبعت بعقد لقاء تنفيذي في 31 تموز في القاهرة اطاحها في اليوم التالي احتلال الكويت.
بعد قمة الدار البيضاء التي وصفها كريم بقرادوني في كتابه "لعنة وطن" بانها "محاكمة لسوريا من دون ان يصدر حكم في حقها"، ونتيجة التحولات العربية وحروب الخليج، تخلت الدول العربية عن متابعتها لتنفيذ اتفاق الطائف، وترك الامر لسوريا لتنفذ ما ترتئيه فيه على طريقتها. من الطائف الى الدوحة تكرر المشهد نفسه. فلقاء الدوحة الذي عقد بموافقة عربية راوحت بين حماسة البعض ورضى فاتر عنه لدى البعض الاخر كمصر، تمثل في وقف النار الداخلي واعادة احياء المؤسسات الشرعية وانتخاب رئيس للجمهورية. وهي قمة المفارقة لان التدخل العربي المباشر حدث مرتين بفعل الفراغ الرئاسي، عام 1989 وعام 2008. حاول اتفاق الدوحة تحقيق توازن داخلي، وشهدت تلك المرحلة حضورا عربيا عبر الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى في مواكبة الوضع الداخلي. لكن سرعان ما حولت حرب غزة وتطور الملف الايراني والوضع السوري وجهة نظر الاهتمام العربي المباشر عن تنفيذ الدوحة وعدم تحويله نصا مكرسا، الى تطبيق انتقائي للدوحة وتكريس سيطرة طرف على آخر كما حصل في الطائف.
فما حصل في الطائف اطاح المكتسبات المارونية لكنه حقق توازنا لبنانيا، سرعان ما اطيح ايضا بفعل عدم تسليم العماد ميشال عون حينها للسلطة، وتاليا في اعادة تكريس الدور السوري في بيروت، الامر الذي افقد المسيحيين والموارنة ادوارهم تباعا.
اما ما يحصل بعد الدوحة فثمة شعور بانه محاولة لاطاحة المكتسبات السنية لمصلحة طرف شيعي بدأ دوره يكبر خلال الوجود السوري وتعاظم بعد خروجه من لبنان. من هنا تكمن اهمية المواكبة العربية للحوار الداخلي وسط تحفظين:
اولا، ان سوريا لا ترغب في اي حال في مثل هذا الحضور العربي مجددا على الخط اللبناني، وخصوصا ان ثمة اطرافا عربا لا يزالون عند موقفهم من النظام السوري منذ عام 1989 كالرئيس المصري حسني مبارك. وسوريا تفضل في هذا الاطار الحوار العربي المباشر معها، كما يحصل مع السعودية بعيدا عن المشاركة اللبنانية الفاعلة في اي ملف يمس مصالحها.
وثانيا، ان لا مصلحة للطرف الشيعي بدوره في مقاربة عربية للسلاح لاعتبارات مماثلة، وخصوصا في ظل الخلاف المعروف بين الحزب ومصر التي لا تنظر بارتياح الى دوره في لبنان وغزة. وكذلك فان الطرف الشيعي فرض نفسه مقررا في موضوع المشاركة اللبنانية في القمة العربية، مستبقا قرار الحكومة ورئيس الجمهورية بصفته معنيا مباشرا، لان القمة تعقد على مستوى الرؤساء والملوك. مع العلم ان لبنان يمثل المجموعة العربية في مجلس الامن، فيما لفت رئيس الوزراء سعد الحريري الى ان لبنان من مؤسسي الجامعة العربية "وعندما تعقد قمة في بلد ما فهي ليست ملك هذا البلد بل تعقد في اطار الجامعة العربية".