#adsense

الانقسامات المارونية والأرثوذكسية تبلغ “الملكيين” الكاثوليك…خليط حسابات سياسية ومناطقية يغذّيها والكنيسة “على الحياد”

حجم الخط

مشرقيون" لاستعادة الحقوق المهدورة واسترجاع الزعامة المسروقة
الانقسامات المارونية والأرثوذكسية تبلغ "الملكيين" الكاثوليك…خليط حسابات سياسية ومناطقية يغذّيها والكنيسة "على الحياد"


كتبت ريتا صفير في "النهار": تكافل "البيك" و"رجل الاعمال" وتضامنا لخدمة الطائفة. جوزف بيك سكاف، النائب الكاثوليكي "الدائم" منذ 1947 حتى وفاته عام 1991، والذي عين وزيراً 14 مرة خلال توليه الشأن العام. وهنري فرعون، المتمول البيروتي، الذي ارغمته انتخابات 1943، وبعدها استحقاق الـ47، على الترشح في "عاصمة الكثلكة"، زحلة. يومها، لم يكن للملكيين الكاثوليك مقعد في بيروت. واكراما للزعيم القادم من العاصمة، انضم "البيك" الى لائحة رجالات الاستقلال رياض الصلح واحمد الاسعد في الجنوب.

بهذا "الوئام"، سارت علاقات "الثنائي" دفاعا عن حقوق الطائفة. وئام كان احد افرازاته تأسيس "المجلس الاعلى للروم الكاثوليك"، فـ"الاتحاد العالمي للملكيين الكاثوليك". عكرته "عداوة دائمة"، عداوة السكافيين مع الاحزاب.

اليوم، تسير الطائفة "السادسة"، على خطى "شقيقاتها" في الكيان في الانشقاقات. انشقاق عنوانه الدفاع عن الحقوق المهدورة واسترجاع "الزعامة المسروقة". واولى تجلياته، اللقاء الذي دعا اليه النائب والوزير السابق الياس سكاف مع مجموعة من "الملكيين" في فندق الحبتور بعد غد الأربعاء تحت عنوان "المشرقيون الملكيون". الا ان في طياته حسابات وحسابات، يختلف "اطراف النزاع" في تفسيرها.

بين هذا وذاك، تقف البطريركية الكاثوليكية على الحياد، شأنها شأن الكنيسة المارونية والارثوذكسية في حالات مشابهة، علما ان من بين المشاركين في "لقاء الحبتور" رجل دين: "لسنا راضين عن الدور السياسي الممنوح لطائفتنا، لكننا ضد الاستغلال." قالتها الكنيسة، بصراحة، لزوارها الذين فاتحوها بالموضوع: "لم نستثمر يوما النجاحات السياسية، ولكننا نحرص، في المقابل على عدم تحميلنا وزر اي خسارة على هذا المستوى".

يدرج "السكافيون" وزملاؤهم التحرك في اطار استنهاض وضع الطائفة. استنهاض قد يترتب عنه، كما يقولون، قيام جبهة، اشبه بـ"مرجعية"، تتولى متابعة شؤون "الملكيين المشرقيين". اولها تصحيح التمثيل. يحضر وضع زحلة وافرازات الانتخابات النيابية الماضية بقوة في تصريحاتهم: "هاجمتها الاحزاب. قسمتها وما زالت، انطلاقا من الامكانات الكبيرة في متناولها، خدماتيا وماليا وحتى دوليا"، بتعبير رئيس "الكتلة الشعبية" سابقا. يوسع النائب السابق سكاف هجومه على "حلفاء الاخصام". يبدو رئيس الحكومة سعد الحريري على رأسهم: "قال خلال زيارته الاخيرة للفاتيكان بأنه يهتم بالوضع المسيحي، وهل الاهتمام يكون بتقسيم زحلة؟".

يحن "الياس بيك" الى ايام والده، يوم كان يوصل معه الى الندوة البرلمانية 15 و16 نائبا: "كان يدخل قويا. مثله مثل جنبلاط اليوم (رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد). كانت زحلة تأتي بالنواب، فأضعفوها. اين الحق؟".

المقارنة مع الواقع الدرزي تتكرر في الخطاب "الكاثوليكي". مبرراتها كثيرة. ركيزتها التقارب العددي بين المجموعتين و"الحقوق" المتوازية لهما، اساسا، في عهدة الدولة. ولكن، خلافا لطائفة الموحدين الدروز، يشعر الكاثوليك اليوم بضعف نفوذهم. ضعف تختلف القراءات حياله.

هو ناجم عن عامل جغرافي نظرا الى "الانفلاش الكاثوليكي" على امتداد الوطن، وعدم انحساره على غرار الحضور الدرزي، في بقعة محددة في جبل لبنان. التقويم هذا، تسوقه المجموعة القريبة من الكنيسة والتي يتولى بلورة موقفها، المستشار الاعلامي لبطريرك الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، عميد كلية الاعلام والتوثيق جورج كلاس: "ليس لدينا تشرذم، بل الكثير من الديموقراطية. نؤيد الخصوصية الكاثوليكية في عاصمة البقاع، لكننا ايضا مع الطابع الانفتاحي الوفاقي. ابعد من الديموقراطية التوافقية، نتكلم على الديموقراطية التكاملية. الكاثوليك موجودون بتفاعلهم مع الآخرين."

بالمقاربة "الانفتاحية " نفسها، يدعو الوزير ميشال فرعون الى "دور جامع" يتجاوز حضور الطائفة وخصوصا في القضايا الوطنية. يقر النائب في تكتل "لبنان اولا" بأن "الحاجات الكاثوليكية" كثيرة، لكنه في موازاة ذلك، ينتقد اسلوب خصومه في معالجتها. على طريقة "جزء من كل"، يدرج الهجرة الداخلية والخارجية في عداد "المشاكل المسيحية والوطنية". وتسليمه بضرورة الدفاع عن "محاولات الهيمنة واحترام الآخر"، يوازنه بتشديد على الاهتمام بكل القضايا المحقة، ولو كانت خارج اطار الطائفة: "نحن في سفينة واحدة. والهواجس مترابطة".

يسوق سكاف طبعا مقاربة معاكسة. اساسها "ذوبان" الكاثوليك في المناطق ذات الكثافة السنية والشيعية والحضور الحزبي. وحدها زحلة تشذ عن القاعدة. يعود الى نظرية "الهجوم والتقسيم" اللذين اصابا "عروس البقاع"، متحدثا عن "مؤامرة" لاضعاف الطائفة. وما حصل بموضوع التمثيل الكاثوليكي في هيئة الحوار الوطني، يدخل، في نظره، في عدادها.

في الشكل، لا يتخطى "لقاء الحبتور" اطار ورش العمل التي تعالج وضع الطائفة انطلاقا من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفقا لمنظميه. واذا كان اللقاء المرتقب تتخلله محاضرة يلقيها وزير الاتصالات، عضو تكتل "الاصلاح والتغيير" شربل نحاس، ويساهم فيه المرشح السابق على لائحة التكتل في دائرة بيروت الاولى نقولا الصحناوي، والقاضي سليم جريصاتي، فان ذلك لا يعني وجود رعاية عونية للتجمع، وفق ما يحاول الايحاء به القائمون عليه. ايحاء يلقى صدى مغايرا في المقلب الآخر، ويعبر عنه فرعون باستغرابه ان يكون التحرك تحت عنوان طائفي، "بهذا اللون السياسي الفاقع."

امر آخر يسعى المنظمون الى ابرازه وهو حيادية حركتهم. يدللون على ذلك بالاشارة الى الدعوات التي وصلت الى كل الافرقاء، بمن فيهم الوزير فرعون.
وفي وقت تطرح مشاركة المعاون البطريركي المطران ميشال ابرص اكثر من علامة استفهام حول تداعيات اللقاء على الكنيسة وموقفها من حركة مماثلة، يدرج سكاف الحضور الديني في خانة "تحريك الضمير الكاثوليكي، واستخدام الوسائل المتاحة للوصول الى ابناء الطائفة". وفي استعادة للغة التي يستخدمها حلفاؤه مع البطريركية المارونية، يقول "التنسيق مع البطريرك غير ضروري. قمنا بواجبنا تجاهه على هذا المستوى، ودعوناه".

من جهته، يصوب الصحناوي على المرمى الابعد، على "المدرسة" التي ينطلق منها القائمون على المبادرة، والتي تدعو الى ترك الشأن السياسي للعلمانيين مقابل تفرغ رجال الدين الى الامور الدينية والكنسية. ولا يتوانى عن التذكير بالجولة التي قاموا بها على القيادات وشملت البطريرك والمطارنة وحتى السفير البابوي،
" لكن ذلك لا يعني ان يكونوا في الورش".

لا يخفي سكاف نيته تأسيس حركة سياسية تتولى الحصول على علم وخبر من وزارة الداخلية على المدى البعيد. لكنه يبقي اقتراحه هذا، مشروطا بالتوافق الذي يمكن ان يتحقق حول هذا الطرح: " الموضوع كاثوليكي عائلي بحت"، يرددها مرارا، "حتى انني اردت ابقاء التحرك بعيدا من الاعلام. هدفنا ان نوقف النزيف الداخلي".

مطالب قديمة – جديدة تتسبب بهذا النزيف، وفقا لداعمي قيام "الجبهة الكاثوليكية"، من ضعف التمثيل السياسي والاداري والديبلوماسي مرورا بوصول قيادات كاثوليكية بأكثرية اصوات من خارج الطائفة، وصولا الى التمثيل الاخير للطائفة على طاولة الحوار. كلها عناصر تتطلب، على قولهم، تحركا لمعالجة الوضع.

من الواضح، ان "جلبة" هذه اللقاءات بلغت مسامع البطريركية ولا سيما بعد التساؤلات التي ارتسمت نتيجة مشاركة رجل دين في اللقاء. لذا، يعيد مقربون منها تصويب البوصلة. يقول كلاس: "يحضر المطران ويحاضر بصفة شخصية. البطريرك حيادي ولن يدعم اي فريق. هو يرأس المجلس الاعلى لطائفة الروم الكاثوليك وسكاف عضو فيه. قد لا تكون حركته اعتراضية، لكن البطريرك لا يساند عموما اي توجهات انفصالية ولن يمنح الغطاء لاي طرف".

يقر كلاس بان التوزع الكاثوليكي في لبنان والدول العربية وبلدان الاغتراب، يبدو اشبه بسيف ذي حدين. عزز انفتاح الطائفة، لكنه اثر سلبا على واقعها لارتباط الديموغرافيا والجغرافيا بالسياسة في لبنان. فكان من تداعيات هذا الواقع، خسارة الطائفة مواقع مهمة ابرزها اداريا، رئاسة الجامعة اللبنانية ومجلس الخدمة المدنية واحدى المديريات في القصر الجمهوري الى عدد من السفراء في العواصم الكبرى.

ولا يتوانى المستشار الاعلامي للبطريرك عن التذكير "بكثرة" الهيئات والجمعيات التي تعنى بمتابعة الحاجات الكاثوليكية، من المجلس الاعلى للروم الكاثوليك الى الرابطة، فـ"اللقاء الكاثوليكي" ملاحظا ان الحركة الجديدة تضم ممثلين عن المعارضة هما سكاف وصحناوي: "الظرف والتوقيت منحاها طابعا معارضا. ولكن السؤال: هي معارضة ضد من؟ اذا كانت ضد الطائفة، فيبدو التحرك غير مناسب. واذا كان ضد الحكم والسلطة، فالامور "لا تركب". ثمة نقص في تسويق هذا اللقاء. نقول ذلك من باب النقد الاصلاحي".

واذ يشدد على وجه زحلة الكاثوليكي، يرفض تحميل البطريرك مسؤولية ضمور الدور الطائفي في المدينة، معتبرا ان "غياب شخص، لفترة، عن الساحة السياسية لا يعني تغييب الطائفة". وفي السياق عينه، يحمل على الانتقادات التي طاولت تمثيل الكاثوليك بالدكتور فايز الحاج شاهين على طاولة الحوار باعتباره اكاديميا، معلقا: "كل اكاديمي يمكن ان يكون سياسيا لكن العكس لا يصح". ويضيف: "في نظر الكنيسة، السياسيون مسؤولون عن الاحباط السياسي".

يضفي فرعون بعدا اكثر "انفصالية" على التحرك الجديد مبديا اسفه لخروج من يحمل المسؤولية على صعيد الطائفة، عن "الشرعية الكاثوليكية". وفي هذا الاطار يسوق نقدين: الاول، ويتناول منطق استغلال بعض قضايا الطائفة لاهداف سياسية فيما يركز الثاني على الشروع في المبادرة، خارج اطار التعاون مع المرجعيات الروحية. ويخلص الى اعتبار التحرك سياسيا "بغطاء كاثوليكي"، مذكرا ان وراءه مرشحين فشلوا في اقناع الناخبين، الكاثوليك وغير الكاثوليك.
"اضافة" اساسية يصر عليها، وتتضمن تنويها بدور البطريرك الذي يعبر عن رأي كل الشخصيات الكاثوليكية، كما يقول.

هي مشكلة الانقسامات المارونية والارثوذكسية تتكرر كاثوليكيا، هذه المرة.
بين التعددية السياسية في ديموقراطية متعافية والانقسامات المتعددة في زمن "تسويات الاقوياء"، فرق شاسع. مرة اخرى، يدفع المسيحيون والوطن الثمن.

أجرت الباحثة حياة القرى دراسات عدة عن الطائفة الكاثوليكية وواقع الزعامات فيها، واصدرت مؤلفات عن الموضوع. وتقول في اتصال مع "النهار" ان الكاثوليك خسروا اكثر من 30 مليار دولار بين 1975 و1990 وخصوصا في مجالات التجارة والزراعة والصناعة، جراء الحرب.

وتذكر بانه اعيد اطلاق المجلس الاعلى للطائفة عام 1992 مستعيدة الخلاف الذي وقع بين الوزير ميشال فرعون والنائب السابق الياس سكاف خلال انتخابات 2008.

واذ تحدد عدد الناخبين الكاثوليك بـ160 الف، تقول ان عدد المهاجرين خلال الحرب يراوح بين 60 و100 الف، علما ان دليل البطريركية حدد العدد الاجمالي بـ300 الف عام 1988.

المصدر:
النهار

خبر عاجل