أقرّت قمّة دمشق الثلاثية إستراتيجية واحدة على المستوى الإقليمي : متابعة المساعي لتحويل لبنان ساحة وحيدة للمواجهة بين المجتمع الدولي ومحور الممانعة حول الملف النووي الإيراني، ومسعى الهيمنة في الشرق الأوسط، ورسمت سبيلاً واحداً لتنفيذ هذه الإستراتيجية : تمكين حزب الله من متابعة مساعيه لمصادرة القرارات السيادية اللبنانية، في الحرب والسلم، وفي السياسة الخارجية، والأمن الوطني، وفي خرق السيادة الوطنية عبر إستباحة الحدود وإستخدامها ممرّاً لإيصال الأسلحة المتطوّرة اللازمة (من المخزون الوطني السوري) لحزب السلاح، في ايّة مواجهة دولية – إقليمية آتية ؟ !
والذين يقولون ويلمّحون انّ دعوة الرئيس سليمان الى إنعقاد طاولة الحوار (لبحث الإستراتيجية الدفاعية) جاء ردّاً على القمّة المذكورة ! فإن ما يريدون الإيحاء به هو انّ " ما كتب قد كتب " وانّ الإستراتيجية الدفاعية للبنان اقرّتها القمّة الثلاثية وثبّتت سبل تنفيذها ؟ وأن الباقي قد يضيف عليها بعض الهوامش الجانبية، وقد لا يفعل، تبعاً لتطوّرات المواجهة المحتملة بين محور الممانعة والعالمين العربي والدولي ؟
والمقايضة المذكورة تصحبها سلسلة ضغوطات في لبنان، من قبل التحالف السوري – الإلهي، على الرئيسين سليمان والحريري، وهي تهدف الى دفع رئيس الجمهورية للتخلّي عن وفاقيته وموقعه الوسطي من جهة، والحريري الى ترك الحلفاء في 14 آذار والتخلّي عنهم من جهة ثانية، ويستخدم المحور المذكور كلّ اسلحته الظاهرة والمخفية، في موضوع المشاركة في القمة العربية، وطريقة التعامل مع دول القرار، والإستحقاقات الدستورية، وفي الحملات التي يشتدّ سعيرها فجأةً على مكوّنات سياسية معيّنة عند ورود الإشارات من وراء الحدود ؟
ويصحب مساعي المقايضات اخرى موازية لها في التوقيت وإن كانت مختلفة في الشكل والمضمون، اولها زيارة النائب وليد جنبلاط الى دمشق والتي قدّم في سبيلها الكثير خصوصاً مع الشروط الإضافية التي بدأت تتسرّب ؟ (والتي سنسمع اجوبتها من الرجل قبل منتصف الشهر الحالي عبر فضائية عربية) وأهمها الموقف المطلوب من المحكمة الدولية وصولاً الى إشتراط إعتبارها مشروع فتنة بين اللبنانيين يتوجّب التخلّص منه ومن عدالته ! للعودة الى معادلة الأمن الإستنسابي دون عدالة ! او التلويح بإفتقادهما معاً ومعهما السيادة والحرية والإستقلال ؟ !
وفي زمن المقايضات تبرز ايضاً مجموعة من العوامل المواكبة والداعمة، منها التلويح بالشلل في عمل المؤسسات الدستورية ومنها الحملة المستعرة على إنعقاد طاولة الحوار ومنها السعي الى تأجيل الإنتخابات البلدية والإختيارية، وكلّها تهدف الى تحقيق مكاسب ينتج عنها العودة التدريجية الى الوراء إستعداداً لبلوغ ما قد يكون دون الامال المرجوّة في إلغاء إنتفاضة الإستقلال وثورة الأرز، ولكن النجاح فيه قد يوصل الى إسقاط معظم المكاسب التي حققها الشعب اللبناني في السنوات الخمس الأخيرة ؟ !
ويبقى انّ التنبّه الى ما يدور في زمن المقايضات يستدعي الثبات والإنتباه الشديدين، لأن عدم وقوع مواجهة إقليمية (على ارض لبنان) شرطه الأوّل إمساك القرار بالحرب والسلم من قبل الدولة اللبنانية، ووقوع هذه الحرب قد يجعل اصحاب الشروط اكثر صرامة وتشدداً في مطالباتهم التي لا يداويها الاّ إنتظام عمل المؤسسات الشرعية والدستورية، وإغلاقها الأبواب التي تأتي منها الرياح العاتية على لبنان الوطن ؟