#adsense

مثل طبخة بحص!

حجم الخط

وظيفة الحوار الوطني الذي يبدأ اليوم مرحلته الثالثة في بعبدا، البحث في امر واحد هو الاستراتيجية الدفاعية، التي يفترض ان نتفق عليها ونطبق قواعدها في مواجهة العدو الاسرائيلي وتهديداته الدائمة المرتفعة في شكل مقلق هذه الايام.

عدد غير قليل من المدعوين الى مناقشة هذا الموضوع الحساس والدقيق، لا يعرفون عن الاستراتيجية الدفاعية المذكورة (رغم احترامنا لهم جميعا) الا بمقدار معرفتهم عما يدور في القطب المتجمد. ولهذا فإن الحوار المفعم بركام هائل من الخلافات السياسية والاجتهادات المتناقضة والاهداف المتعاكسة، سينتهي بعد حين كما بدأ، فنواصل البحث عن مواصفات وتعريفات للاستراتيجية الدفاعية الملائمة لبلد مثل لبنان، ولكن من دون التوصل الى ابجدية مفهومة.

وعدد غير قليل من فرسان الحوار الوطني يريدون لهذه الطاولة البيضاوية ان تبحث في امور اخرى، اضافة الى الاستراتيجية المذكورة، بما يعني عمليا ان الحوار قد يتحول نوعا من التداخل في الصلاحيات او مدخلا الى الدمج بين السلطات، اي ان الطاولة قد "تمد يدها" الى شؤون هي من صلاحية السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.

هذا الامر ان حصل، سيزيد نسبة الفشل، لانه سيضاعف التطرق الى مواضيع ليس مكانها طاولة الحوار، التي يفترض ان تكون مطبخا سياسيا لا يعكف الا على "طبخة البحص" التي سيطول انتظارها كثيرا. لكن الفائدة المحققة دائما من جلسات الحوار هي استحياء العيون وهي تنظر في العيون الاخرى، واكتشاف بعض الخصوم ان خصومهم هم فعلاً بشر من لحم ودم يبتسمون ويتوددون ويقطرون تهذيبا احيانا، وان نصف الالف فعلا هو خمسمئة!

❒ ❒ ❒

في اي حال، ما قاله الرئيس ميشال سليمان خلال زيارته للمملكة العربية السعودية يصلح مدخلا لافتتاح جلسة الحوار اليوم:
"… ان الرد على اسرائيل هو بوحدة الصف وببذل الجهود للتصدي لها. ان الجيش هو المسؤول عن ذلك، وعند عجزه فان كل القدرات الوطنية تتضافر في سبيل التصدي وكل مواطن يصبح مقاوما لاسرائيل".

ان هذا الكلام قد يثير نوعا من الاعتراض عند البعض، والامر هنا لا يقتصر على "حزب الله" بل على بعض الذين سيجلسون الى طاولة الحوار، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الجنرال ميشال عون، وقد كان صريحا دائما في القول ان الجيش النظامي يشكل هدفا سهلا امام آلة العدو وان المقاومة هي الطريق الى مواجهة العدو الاسرائيلي!

واذا كان من الطبيعي ان الجيوش هي التي تحمي الاوطان، فان قيام الجيوش القوية لا يكون الا بقيام الدولة القوية والقادرة، وهنا تكمن التفاصيل الحساسة جدا للانقسام والخلافات بين اللبنانيين، التي تتصل بشكل الدولة وهويتها واصطفافها ودورها في الداخل والخارج. وهذا ما يفتح "الحوار" على افق بلا حدود وعلى خلافات بلا سدود، بما يضعنا امام طبخة البحص.

❒ ❒ ❒

عندما كان سليمان يتحدث عن الجيش والدولة في السعودية، كان رئيس الحكومة سعد الحريري يتحدث في الكويت، عن ضرورة العبور اللبناني الى الدولة. وقد ساق في هذا الاطار مجموعة واسعة ومهمة جدا من الامور الضرورية والملحة، التي تؤدي الى قيام الدولة القوية والقادرة في لبنان. بالاحرى وضع ابجدية شاملة تقريبا لهذا الامر. تقوم على تصحيح علاقة السلطة بالفرد بحيث تصير سلطة الدولة محط ولاء المواطن وثقته وايمانه وحماسته. والامر هنا شامل يمتد من النظام والقانون الى كل قطاعات التفاعل الحياتي بين الوطن والمواطن، بما يعطي الدولة قوتها ورسوخها وهيبتها.

ان قيام دولة من هذا النوع الذي يريده كل لبناني مخلص طبعا، يبقى حلما، كما قال الحريري، ما لم تتضافر كل جهود اللبنانيين وطاقاتهم للعبور فعلا الى الدولة القوية.

صحيح، لان المدخل الوحيد لوضع استراتيجية دفاعية هو قيام الدولة. والحديث عن الاستراتيجية في هذا السياق مسألة لها ابعادها المترامية والشاملة التي تتصل بالاداء العام للدولة في كل القطاعات كما تتصل بتحديد ثقافة المواطن ودوره في معظم الشؤون.

لهذا تبقى كل مقاربة لـ"الاستراتيجية الدفاعية" مدخلا الى الجدال المعروف حول من يكون في كنف من، المقاومة في كنف الدولة كما قال سليمان تقريبا او الدولة على خطى المقاومة كما يريد "حزب الله" والبعض من اهل الحوار.

في استطاعة الحوار وسط هذا الواقع اللبناني الراهن ان يكون ابديا. تماما مثل طبخة بحص نشعل النار تحت قدرها مرة تلو الاخرى بلا نتيجة باستثناء ذوبان بعض الجليد بين الخصوم!

المصدر:
النهار

خبر عاجل