طاولة الحوار بين ربط سليمان لـ"بدء المقاومة" بعجز الجيش وبين مطالبة بان كي مون بالاحتماء بالمجتمع الدولي
الاستراتيجية الدفاعية: "قيادة" الدولة.. والحماية "الاستباقية"
بعد تسعة أشهر ونيف من آخر جولة حوار مطلع حزيران 2009، تلتئم هيئة الحوار الوطني "الجديدة" في القصر الجمهوري اليوم. وجدول أعمالها ينهض على بند وحيد، هو الإستراتيجية الدفاعية الوطنية.
وقبل ساعات من إستئناف الحوار، أكد "حزب الله" على ألسنة عدد من قيادييه، أن الحوار لن يتطرق الى مسألة "سلاح المقاومة"، معلناً عملياً أن الإستراتيجية الدفاعية "شيء" وأن "سلاح المقاومة" شيء آخر!
والحال أنه إذا كان صحيحاً بالفعل أن "نزع سلاح المقاومة" ليس مطروحاً على الطاولة، ولم يكن تعريف الإستراتيجية الدفاعية في الأصل يرادف "نزع سلاح المقاومة"، فإن الصحيح أيضاً هو أن الحوار لا بد له أن يتناول "موقع" هذا السلاح ضمن الإستراتيجية الدفاعية وجدواه، وأن ينتهي الى تعيين "ماهية" هذا السلاح و"مكانه" في إطار الإستراتيجية المنشودة.
سليمان وإبتداء "المقاومة"
وهنا، لا مفرّ من التوقف أمام ما أعلنه رئيس الجمهورية ميشال سليمان خلال الأيام الماضية ممّا يتعلق بـ"كُنه" الإستراتيجية الدفاعية.
ففي عدد من التصريحات الصحافية آخرها حديثه الى الزميلة "الشرق الأوسط" أمس، كشف الرئيس سليمان أمراً في غاية الأهمية. قال "تم الاتفاق في جلسات الحوار السابقة على أن المقاومة لا تبدأ عملها إلا بعد الاحتلال وبعد عجز الجيش عن صدّ العدو". وأوضح أن "ذلك يعني أن هناك إستنتاجات جيدة يمكن أن توصلنا الى تركيبة معينة تحمي لبنان وتحافظ على القدرات التي بين يديه في ظل التهديدات الإسرائيلية الكبيرة (..)".
"المضارع" وقيادة الدولة
لا يحتملُ كلام سليمان أي تأويل: "تبدأ" المقاومة "بعد" عجز الجيش. وهذه المعادلة التي يطرحها رئيس الجمهورية ويتبنّاها بل يكشف أن إتفاقاً حصل بشأنها سابقاً، لا تتحدث عن مرحلة سابقة، وبصيغة الماضي فقط. أي أن الرئيس لا يقول إن المقاومة "بدأت" (فعلٌ ماضٍ) بعد أن "عجز" (فعلٌ ماضٍ) الجيش، توصيفاً لظرف نشأة المقاومة سابقاً. لكنه يستخدم المضارع: "لا تبدأ".. و"يعجز" في تأكيد على الحاضر والمستقبل.
وعليه، لا يعود ثمة مجال للإلتباس في أن ما يقصده الرئيس سليمان هو أن الدفاع عن الوطن مهمة الجيش والدولة أولاً، و"لا تبدأ" المقاومة إلا إذا عجز الجيش وعجزت الدولة عن "صدّ العدوّ". أي لا إلتباس في أن ما يقصده سليمان هو أن الإستراتيجية الدفاعية "بقيادة" الجيش والدولة.
على أي حال، ولتأكيد المعاني السابقة، كان الرئيس سليمان، خلال إستقباله وفد الأمانة العامة لقوى 14 آذار الأسبوع الفائت، واضحاً في تشديده على "قيادة" الجيش والدولة للإستراتيجية الدفاعية.
فـ"تجاوباً" منه مع طرح يستند الى "قانون الدفاع" وفحواه أن "كل القوى المسلحة" يجب أن تكون بأمرة رئيس الجمهورية بوصفه "القائد الأعلى للقوات المسلحة" بموجب الدستور، أكد الرئيس سليمان أن ذلك "صحيح" وأن لا إستراتيجية دفاعية على غير هذا الأساس.
الخلاف مع "حزب الله"
إذاً، تلتئم هيئة الحوار الوطني اليوم، والخلافُ مع "حزب الله" ليس حول "نزع سلاح المقاومة ". إن الخلاف مع "حزب الله" هو حول كيف تكون الإستراتيجية الدفاعية إستراتيجية للدولة و"بقيادة" الدولة. خلافٌ حول كيف يندرج "سلاح المقاومة" في إطار إستراتيجية للدولة وبقيادتها.
الحماية "الاستباقية"
هذا من جانب. أما الجانب الآخر من الموضوع، فيتعلقُ بـ"حماية" لبنان.
ممّا لا شك فيه أن الإستراتيجية الدفاعية "بقيادة" الدولة، والتي جرى التطرّق اليها آنفاً بالإستناد الى تصريحات رئيس الجمهورية، هي إستراتيجية الدفاع عند أي عدوان. بيد أن ثمة جانباً، نادراً ما جرى إحتسابُه منذ أن طرحت الإستراتيجية الدفاعية على الحوار، هو كيفية حماية لبنان "إستباقياً".. قبل حصول العدوان نفسه، هو كيفية منع العدوان وكيفية تجنّبه.
هذا الجانب من الموضوع سياسي وطني، أي ليس عسكرياً أو تقنياً، مع التذكير بأن الاستراتيجية الدفاعية مسألةٌ سياسية دستورية عسكرية مركّبة.
حمايةُ لبنان "إستباقياً" تعني في "السياسة" عدداً من الأمور المتكاملة، لا سيما في ظل التهديدات الإسرائيلية من جهة وفي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة من جهة أخرى.
إنها تعني أول ما تعني توحيد الموقف اللبناني في إطار مجلس الوزراء، مؤسسة القرار والشراكة في القرار.
تقرير بان كي مون
وتعني الالتزام بالقرار الدولي رقم 1701، والذي صدر بطلب من لبنان. والالتزام بالقرار يعني تنفيذه من الجانب اللبناني، لا الإكتفاء بتسجيل الخروق الإسرائيلية لهذا القرار. وفي هذا السياق، ينبغي التعاطي لبنانياً مع تقارير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بشأن تطبيق الـ1701، على نحو إيجابي.
وفي المعطيات أن التقرير الأخير لبان بشأن الـ1701 آخر شباط الماضي، إنما أتى بعد تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك من واشنطن ونيويورك للبنان. وبهذا المعنى فإن تقرير بان الذي ينطلق بداهةً من الحرص على سلام لبنان ويرفض الحرب، يتضمّن نقطتين أساسيّتين. الأولى دعوته الى "إستئناف جلسات الحوار اللبناني للتوصّل الى إجماع وطني حول الاستراتيجية الدفاعية"، والثانية دعوته الضمنيّة الى توقّف "حزب الله" عن "إدارة قدرات عسكرية منفصلة عن الدولة، تشكّل خرقاً للقرارَين 1559 و1701".
إن ما يقوله بان كي مون فعلياً هو الآتي: أجمِعوا إيها اللبنانيون على استراتيجية دفاعية، إحتموا بالقرار 1701 عبر تنفيذكم لمندرجاته، وخذوا ضمانة المجتمع الدولي. أي أنه يخاطب لبنان بما إلتزم به: الحوار والقرار الدولي.
على أن حماية لبنان "إستباقياً" بالسياسة تعني أيضاً التوجه الى الشرعية العربية للمطالبة بموقف عربي موحّد الى جانب لبنان، على قاعدة أن حمايته مسؤولية عربية أيضاً، وعلى أساس أن حمايته حماية للعرب أنفسهم. وهذا ما يقتضي اعتبار لبنان لنفسه جزءاً فاعلاً ضمن نظام المصلحة العربية لا جزءاً من محور إقليمي يخاصم نظام المصلحة العربية.
"المنهج"
لدى استئناف الحوار الوطني اليوم، يصبح من الضروري الانطلاق من تثبيت أن المنهج الذي سيحكم جلسات الحوار هو استراتيجية دفاعية للدولة و"بقيادة الدولة" من ناحية، وهو حماية لبنان "إستباقياً"… بالسياسة من ناحية ثانية. عسى أن يشكل ذلك إنطلاقاً نحو مبادرة باتجاه الداخل، والخارجَين العربي والدولي معاً.