في غمرة الأحداث والتطورات المتسارعة في لبنان، من فتح ملف التعيينات، إلى الأَسفار الرئاسية إلى الجدَل المُثار حول إجراء الإنتخابات البلدية أو عدم إجرائها، مَرَّ التقرير السنوي 2009 – 2010 لرئيس المحكمة الخاصة بلبنان انطونيو كاسيزي بأقل ضجَّة ممكنة، خصوصاً ان نشره تزامَن مع عطلة نهاية الأسبوع، فعبَر سريعاً ولم يأخذ حقَّه في التحليل والمتابعة علماً انه يُشكِّل محطة أساسية في مسار المحكمة.
ماذا في التقرير؟
هو يقع في أربع وسبعين صفحة مفهرسة بطريقة علمية جدّاً، وبعض الأرقام التي وردت فيها تدل على جدّية العمل والجهد المبذول، ففي الصفحة 10 ورد ان (مجموع موظفي المحكمة بلغ 276 موظفاً يحملون 59 جنسية، إضافة إلى 21 متدرباً)، وبلغة الأرقام، وفي الصفحة ذاتها ورد انه (أُرسِل ما يزيد عن 240 طلباً للمساعدة إلى النائب العام التمييزي في لبنان، ونُظمت 53 مهمة ميدانية كما وُجِّه أكثر من 60 طلباً للمساعدة إلى 24 دولة، في حين أُنجزَت 62 مهمة على أراضيها، وأُجريت مقابلات مع 280 شاهداً). ويختم (كاسيزي) هذا الفصل بالقول:
(تنوي المحكمة أن تُحقّق عدالة خالية من أي قيد سياسي أو ايديولوجي).
يُذكِّر التقرير بـ(الإعتداء الذي وقع في 14 شباط 2005 وبالإعتداءات الأخرى المترابطة)، وفي الصفحة ذاتها، أي الصفحة 14 يُعطي اشارة بالغة الأهمية فيقول (إن المحكمة ولأسباب أمنية، لم تتخذ من الأراضي التي ارتُكبت فيها الجرائم، مقراً لها بل كان مقرها في هولندا).
ويقول التقرير في الصفحة التالية:
(تُجيز المحكمة المحاكمة في غياب المتّهم، ويحق للمتهم أن يطلب إعادة محاكمته حضورياً إذا مثل أمام المحكمة في مرحلةٍ لاحقة).
أما لجهة الأَحكام التي ستصدر لاحقاً، فقد ورد في الصفحة 16 ان المحكمة (تُطبق أَحكام قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بالملاحقة والمعاقبة على الأَعمال الإرهابية والجرائم…).
* * *
في بند التعاون بين المحكمة ولبنان، ورد في الصفحة 26 ما يلي:
(تُلزَم السلطات اللبنانية بالتعاون مع المحكمة وبالتالي يتوجب عليها ان تمتثل وبدون تأخير لأي طلب مساعدة أو أمر صادر عن المحكمة، وتكون للمحكمة الخاصة ضمن اختصاصها أسبقية على المحاكم الوطنية في لبنان).
* * *
ولقطع الطريق على محاولات التشكيك ببطء عمل المحكمة، ورد في الصفحة 55 وكذلك في الصفحة 56 (ان الإدعاء لن يبدأ إلا بعد أن يُحضِّر مكتب المدّعي العام دعوى يمكن أن تصمد أمام التدقيق القضاْئي، وحتى يتم تحديد مختلف عناصر الإثبات المطلوبة لدعم قرار الإتهام، يُعتَبَر فرض أي جدول زمني لبدء مرحلة الإدعاء أمراً إعتباطياً).
* * *
لعل الصفحة 60 من التقرير هي الأكثر أهمية حيث تتأكد فيها عمليات التقدُّم في التحقيق وقد ورد فيها ان (مكتب المدّعي العام يواصل تحسين قدرته على إدارة وإستثمار أكثر من 12 ألف دليل و200 ألف صورة وأكثر من 200 تقرير عن الأدلة الجنائية في مسارح الجرائم من أجل استخدامها في عملية التحقيق والإجراءات القضائية).
* * *
هذا الجهد الهائل أدى إلى نتائج جديرة بالتوقف عندها، وقد وردت في الصفحة 61، وفيها:
(أحرز مكتب المدعي العام تقدّماً ملموساً في تحضير القضية التي سوف تُقدِّم مرتكبي الجريمة إلى العدالة، وقد تحقق ذلك بالرغم من انضباط مَن يقفون وراء الإعتداء وتطورهم الواضحَين، ويمكن لمكتب المدعي العام ان يُقدِّم تقريراً عن المؤشرات الآتية بشأن التقدّم في التحقيق، وذلك في نطاق التزامه بالقيود الضرورية لحماية سرية التحقيق، أما هذه المؤشرات فهي:
– سحب بعض الأدلة والمعلومات غير الموثوق بها بعد استعراضٍ مستفيض للمواد التي تمَّ جمعها طيلة فترة التحقيق.
– زيادة الإقتناع في أن مرتكبي الإعتداء هم الأشخاص الذين استخدموا الشبكة المحددة.
– الحصول على معلومات إضافية لتأييد واقعة أن مرتكبي الإعتداء نفذوه بالإشتراك مع مجموعة أكبر.
– الإقتراب من تحديد هوية الإنتحاري المشتبه به من خلال حصر أصله الجغرافي وإعادة بناء ملامح وجهه جزئياً.
– الترابط بين الإعتداء على الحريري والإعتداءات الأخرى).
* * *
من خلال كل ما تقدَّم هل بالإمكان القول إن المحكمة لا تعمل ولا تتقدَّم؟