ان اليوم لن يكون كما الامس – فبالامس التأمت طاولة الحوار على وقع ظرف قاهر عاشه الجميع وتفهم ثناياه الخطيرة الجميع بين 2 اذار (اول جلسة حوار) والدوحة – فكان ما كان – والتأمت الطاولة بداية بمبادرة رئيس مجلس النواب ومن ثم بمبادرة من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان – فاتخذت قرارات بقي قسم هام منها حبرا على ورق – حتى الساعة باستثناء العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا.
اليوم ومع تشكيل هيئة طاولة الحوار الوطني الجديد (مع تحفظنا لتغييب بعض الاقطاب المستقلين وعلى راسهم الوزير بطرس حرب ابرز مهندسي اتفاق الطائف)، والسعي الدؤوب لعقد اول اجتماعاتها في القصر الجمهوري – نرى ان الطاولة هذه المرة لا يمكن ولا يجب ان تكون نسخة طبق الاصل عن سابقاتها خصوصا لجهة الية العمل وجدول الاعمال وسواها من اليات تمت تجربتها ولم تفلح حتى الساعة في تنفيذ ما اتفق عليه.
لذا نرى ان الطاولة هذه المرة (ومع تمسكنا برأينا بانها لن تؤدي الى مكان في ظل تعنت "حزب الله" في سياسته الاحتكارية للسلاح والمقاومة واجندته الاقليمة الغريبة عن مصالح لبنان العليا) يجب ان تتوفر فيها مقومات اساسية كي لا تكون نسخة مملة مكررة من الطاولات السابقة التي امتازت بعقمها وتضييعها الفرص.
من هنا نرى ان ابرز الشروط التي يجب ان تتوافر في طاولة الحوار هذه المرة كي تكون هادفة هي:
1- شرط حصر موضوع النقاش في الاستراتيجية الدفاعية دون سواها: وذلك انسجاما مع البيان الوزاري الذي رحل الى طاولة الحوار موضوع مناقشة الاستراتيجية الدفاعية دون سواها – وبالتالي الذهاب الى الحوار بجدول اعمال مؤلف من بند وحيد واساسي لا سواه من بنود – منعا لدخول النقاشات بزارات التفاوض على اساس مساومات لن توصل الى مكان ما – فطاولة الحوار تنعقد هذه المرة في ظل معطى اقليمي ودولي ناري يتمثل في التأزم الكبير في موضوع الملف النووي الايراني والمواجهة المرتقبة بين الغرب والجمهورية الاسلامية – ما يثقل اكثر فاكثر كاهل لبنان في ظل التجاذب القائم بين "حزب الله" ودولته من جهته وبين اسرائيل وغطرستها من جهة اخرى.
2- شرط جدية "حزب الله" على الطاولة : فالحزب اعلن اكثر من مرة وعلنا ان السلاح لم يعد موضوع نقاش – شاء من شاء به وابى من ابى – وبالتالي فاننا لا نرى امكان نجاح الطاولة في تحقيق المرجو منها ما دام الفريق الاساسي المعني بالاستراتيجية الدفاعية وضع خطوطه الحمر وحبس نفسه في مواقفه المبدئية والذي بات اسيرا لها.
ففي الطاولات السابقة احجم "حزب الله" عن تقديم ورقة تصوره لاستراتيجة دفاعية تحمي لبنان – ولكن من خارج الطاولة قدم نظرته للاستراتيجية الدفاعية منطلقا من تسجيله نقطة على الاخرين في البيان الوزاري بالتزاوج بين الجيش والشعب والمقاومة – وبات "حزب الله" سياسيا اليوم على طاولة الحوار اكثر تسلحا بشرعية نص ما مستمدة من اقرار الحكومة بوجوده الامر الذي لم يكن واردا في ظل الحكومات السابقة للرئيس السنيورة – من هنا اهمية ان يواجه المتحاورون بانتباه وحذر شديدين موقف الحزب على طاولة الحوار الذي قد يلجأ الى استخدام " سلاح " جديد هو البيان الوزاري في وجه المطالبة الوطنية بتنظيم السلاح ووضعه في امرة الدولة اللبنانية .
فجميعنا بانتظار ما سيقوله "حزب الله" على طاولة الحوار بخصوص موضوع الاستراتيجة الدفاعية: فهل يكرر موقفه من ان موضوع السلاح خارج التداول وبالتالي يحكم على الحوار بالاعدام او انه سيتقدم بصيغة جديدة للحوار والنقاش مستفيدا من ردود الشارع اللبناني العريض ومسؤوليه السياسيين على موقفه المتشدد من الموضوع؟
امر واحد هو اكيد بالنسبة الينا: ان "حزب الله" سيناور ويحاول كسب الوقت عبر اللعب على وتر العصبية القومية والاسلامية في مواجهة اسرائيل ومحاولته احراج الرئيس الحريري تجاه حلفائه في "14 اذار" خاصة المسيحيين منهم (وتحدديا مع الدكتور سمير جعجع ) – وبالتالي ما لم ترافق طاولة الحوار ارادة سياسية لدى الحزب في التحاور الهادف حول سلاحه فان الطاولة فاشلة لا محال – ولن تتعدى كونها طاولة علاقات عامة وتكاذب جديد.
3- شرط الحزم لدى رئيس طاولة الحوار – فالرئيس ميشال سليمان برأينا مدعو هذه المرة الى ان يكون بصفته الرئاسية الدستورية الحكم الفاصل في الحوار – الحكم العادل والذي يغلب الدستور ومصالح الوطن ووحدته على ما عداها من اعتبارات – لا ان يكون مرة جديدة اسير عقدة كونه "توافقيا" – فالتوافق على شخصه الذي حصل ابان وغداة مؤتمر الدوحة انتهت مفاعيله عندما اصبح رئيسا للجمهورية وبالتالي بات بقوة الدستور والقانون والمؤسسات والشرعية الدستورية رئيس الجمهورية صاحب الصلاحيات الكاملة والشاملة التي يتوجب عليه استخدامها – من منطلق حسم الامور واعتماد الحزم في المواقف – خاصة واننا نسجل عليه في الاونة الاخيرة بعض المواقف التي لم تكن لتنصب في خانة مصلحة الدولة اللبنانية العليا ومصلحة القوى الشرعية والسيادة اللبنانية – لانه في مكان ما من كلامه ظهر وكأنه يغلب سلاحا فئويا على سلاح الدولة وفي احسن الاحوال يضعهما في نفس مرتبة الاهمية – لدرجة اننا قد فهمنا ان الجيش بات بحاجة للمقاومة لتحميه في حال العدوان الاسرائيلي.
فمسؤولية رئيس الجمهورية ستكون هذه المرة في قدرته ليس على ترؤس طاولة الحوار (وهو خير من يرأسها) ولكن على الاستحصال من "حزب الله" تحديدا على موقف نهائي من موضوع الاستراتيجية الدفاعية – وبالتالي في متابعته الحازمة لاي تصور يتم الاتفاق عليه على طاولة الحوار – بالاضافة الى وجوب متابعته وتنفيذه ما قررته الطاولات السابقة لجهة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وترسيم الحدود وسواها من مواضيع لم تنفذ الى الان من مقررات الطاولات السابقة – فالرئيس سليمان يجب ان يتحول من رئيس لادارة الخلافات الى رئيس لحسم المواقف وحزم اليات التنفيذ للقرارات التي تمخضت وستتمخض من الطاولة الجديدة المقبلة.
4- شرط وحدة الرؤية لدى قوى "14 اذار" على الطاولة: فوجود رئيس الحكومة لكل لبنان سعد الحريري – لا يجب ان يشكل اي ارتباك لدى اي من مكونات "14 اذار" على طاولة الحوار – وقد ارتضت قوى الاكثرية وتفهمت ان يكون الرئيس الحريري رئيس حكومة كل لبنان – وبالتالي اصبحت له وظيفة وطنية شاملة نتفهمها جميعا ونشجعه عليها ونشد على يده – ولكن دون ان يشكل ذلك مصدرا لاي احراج في قول الامور كما هي وتسمية الاشياء باسمائها على طاولة الحوار من قبل الحلفاء في "14 اذار" – لان مسيرة ثورة الارز لا تزال في اوجها والتحديات الوطنية المصيرية لا تزال تعصف بالوطن وبمستقبله – وبالتالي فان قوى الاكثرية مدعوة على طاولة الحوار الى قول الامور كما هي وتسمية الاخطاء والمخالفات كما هي – فبالصراحة والصدق والحقيقة تبنى صيغ الاوطان التي فيها تعددية وديمقراطية – فلا ندع وصولنا الى الحكم ينقلب علينا احراجا يربكنا ولعنة تتوهنا.
5- شرط قبول الاخر والتحاور مع الاخر من منطلق لبناني غير تخويني – وهنا نذكر الجميع ولا سيما قوى 8 اذار بان القوات اللبنانية لو لم ترتض بعد قبولها باتفاق الطائف – بتسليم سلاحها الى الدولة اللبنانية – لكانت اليوم تعتبر خائنة للدولة وللبنان – علما ان سلاح "القوات اللبنانية" كان للدفاع عن وجود مسيحي كاد ان يصل الى اخطر مما هم اليوم مسيحيو العراق عليه – كما كان هذا السلاح للدفاع عن ما تبقى من ذاتية لبنانية في وقت كان الكثير من اللبنانيين انذاك منخرطين في مشاريع وحدة وتذويب والحاق بالمحيط الاقليمي على حساب لبنان السيادة والاستقلال – فرجاء من هذا البعض الذي نسي ماضيه ومواقفه غير المشرفة ان يعود الى تاريخه ويستحي في رمي الاخرين بما هم كانوا عليه حقيقة – وليتوقف الخطاب التخويني المبتزل الذي يزيد من انكشاف من يطلقها على الرأي العام الذي بات يعرف كل شيء عن كل واحد من هؤلاء الابواق.
فما من حوار ناجح الا الذي ينطلق من قبول الاخر ومن اعتبار الاخر ضنينا بمصالح الوطن – ونحن لا نعتبر حزب الله كحزب في شقه اللبناني الا حزبا وطنيا لبنانيا – ولكن اعتراضنا و"مقاومتنا" هي لبرنامجه الذي تجاوز نطاق المقاومة من اجل لبنان الى الجهاد من اجل الاخرين على حساب لبنان ارضا وشعبا ومؤسسات.
فبمثل هذه الشروط يستطيع المتحاورون على طاولة القصر الجمهوري اقناع الرأي العام اللبناني بجدوى الحوار في حلقته الجديدة المنقحة – وبمثل هذه الشروط يكون الحوار هادفا وواعدا – وبغير هذه الشروط ولو حضرت جامعة الدول العربية (التي نرحب بمشاركتها المتحاورين) واي منظمات اخرى اقليمة او دولية ( كالامين العام للامم المتحدة )، فان الحوار سيبقى عقيما – يحاور البعض البعض الاخر لبنانيا في حين يجيب البعض البعض الاخر اقليميا …
برج بابل جديد لا نتمناه …