رفعت الجولة الثالثة من الحوار، مثلما رفعت الجولة الثانية، ومثلما سترفع لاحقاً الجولة الرابعة ثم الخامسة. والى أن ينجلي الغبار في المنطقة، وتظهر الاتجاهات التي ستسلكها الأزمة الايرانية بكل مفاعلاتها ومفاعيلها وامتداداتها.
وصولاً الى بيت القصيد ومربط خيل الأزمات العربيَّة والاقليميَّة في البلد المستباح.
وريثما تكون المحاولات الأميركية البائسة والمحكومة بالفشل سلفاً قد أخلت المكان على الجبهة الفلسطينيَّة – الاسرائيلية لشتى البدائل التي سيكون العنف والدم والدمار من أبرز عناوينها.
مشكلة لبنان في أبعادها وعواملها الأساسيَّة وأسبابها التاريخية ليست مرتبطة أو مرتهنة بطاولة الحوار وهيئة الحوار وحوار الذين لن تؤدّي حواراتهم في صدد الاستراتيجيَّة الدفاعية، الا الى ما يؤدي اليه عادة حوار الطرشان.
أو الحوار من أجل الحوار، وكي يحسب اللبنانيّون أنَّ لا أزمة داخليَّة، من شأنها دفع البلد الواقف على شفير الهاوية الى قعر الاصطدام والانفصام حتى الانفصال… وما تستجر هذه النهايات، وما يتبعها من أوضاع تلخبط وتخربط وتلبط كل هذه الخيمة الكرتونيَّة، والتي يظلمونها بتحميلها صفة "الوحدة الوطنية"، أو صيغة "العيش المشترك".
إنما، ورغبة في إبقاء أبواب الجحيم والأعاصير مقفلة، مع الحفاظ على أبواب التفاهمات الكلامية مفتوحة، يفضٍّل اللبنانيون في "الضفتين" التمسُّك بشعرة التأجيل. والعودة من وقت لآخر الى طاولة قصر بعبدا، مدجَّجين بالصبر والانتظار الذي أين منه "انتظار غودو".
حتى وإن اقتصرت اللقاءات على تبادل التحيات والمصافحات والابتسامات، وغداً نلتقي في الموعد الجديد الذي بدوره سيؤجّلنا ويجمعنا في موعد آخر لنحكي في كل شيء. في أي… شيء؟
نعم في أيّ شيء تقريباً، ما خلا "الشيء" الأساسي الرابض على صدر لبنان، والذي يصادر لبنان بكل ما في المصادرة من معنى، والذي يضع هذا اللبنان وسط فوهة بركان.
يبقى السؤال الذي يدور الجميع حوله ولا يقتربون منه، كونه يطرح القضية اللبنانية كما هي، وبفداحتها وغرابتها وقسوتها.
وبما معناه ومفاده لماذا يُفرض دائماً ان يكون لبنان هو "البديل". هو "الرهينة". هو "الساحة" التي يتبارز فيها العرب بعضهم ضد البعض، وتبارز اسرائيل بعضهم في أرجائها أيضاً.
وهو الضحيَّة في كل حالات الزمان على المنطقة. وفداء عن الآخرين. وهو مَنْ يقدِّم القرابين والنذور. وهو من تجتاحه اسرائيل وتدمٍّره وتصبغ أرضه وارجاءه وسماءه بلون الدم. بل بالدم.
الى متى هذه الفضيحة التي يتستَّر عليها بعض اللبنانيين، والى متى يظل الوطن الرسالة والبلد النموذج فشة خلق كل المنطقة، وكل طوائفها، وكل مَن يعن على باله موال، وكل مَنْ يكلّفونه ان يفتح مشكلة أو يعلن حرباً؟
هذه هي المشكلة ولبها وجوهرها.