كتب غسان سعود في "الأخبار" تحت عنوان "أنطوان شويري: حكاية إمبراطور": في واحدة من المرات النادرة، خسر أنطوان شويري التحدي. هذا العابر، إمبراطوراً في الإعلان، طباخاً في الإعلام، مخترع «قضايا» في المجتمع المسيحي ولاعب خلفي في السياسة، سيترك وراءه فراغاً على أكثر من صعيد.
في السنتين الماضيتين، تنقل أنطوان شويري بين فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة وعدة دول أخرى حاملاً الصور الطبية ونتائج الفحوص التي تفصل وضعه المستجد مع مرض السرطان، باحثاً عن علاج يكسبه المعركة، ويضيف إلى انتصاراته انتصاراً. ومن عاصمة إلى أخرى، كان يرفض أن يصدّق من يقولون إن معركته من دون أفق: تعامل مع العلاج الكيميائي القاسي «كأنه حبّة panadol». أصدقاؤه، وقيادة القوات اللبنانية ضمناً، بقوا حتى أسابيع قليلة من أمس جاهلين لحقيقة انتشار المرض. تابع الحياة كأنه بدأها لتوّه مردداً أن مار مارون لن يتركه. شغل نفسه بمعارك إضافية سواء في القضاء مع المؤسسة اللبنانية للإرسال أو في السياسة المحلية إلى جانب رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع. ذهب في 4 نيسان الماضي وقدّم في مهرجان القوات اللبنانية في ذكرى حل الحزب شهادة بدت أقرب إلى «شهادة قواتيٍّ» منها إلى أي شيء آخر. وتوجّه قبل نحو سبعة أسابيع إلى المحكمة ليقدّم شهادة مماثلة في النزاع بين سمير جعجع وبيار الضاهر بشأن ملكية المؤسسة اللبنانية للإرسال، معلناً، بحسب مصادر في القوات، أنه ساعد الـ LBCI لأن جعجع طلب منه ذلك!
إمبراطور الإعلان
هناك إجماع وسط أصدقاء شويري الذين تعرفوا عليه قبل أكثر من ثلاثين عاماً، على أنه يعمل أكثر من 16 ساعة يومياً، مستعد دائماً للسفر ساعات طويلة لعقد اجتماع عمل ناجح والعودة فوراً إلى مكتبه، ثابت على كلمته مهما كانت الظروف، حياته أرقام ومستعد دائماً للمغامرة. كمثل على الاستعداد الأخير، يشير أحد أصحاب شركات الإعلان إلى أن ميزة شويري كانت في استعداده الدائم لتوقيع مشاريع وعقود تتجاوز قدرته المالية.
الرجل الذي يوصف اليوم بإمبراطور الإعلام، ولد في منزل بشراوي متواضع مادياً عام 1939، أنهى دروسه الثانوية في مدرسة الحكمة ليتخصّص بعدها في إدارة الأعمال ويبدأ العمل رئيساً لقسم المحاسبة في «شركة أبو عضل»، قبل أن يستقيل ويؤسّس عام 1970 شركة Régie Générale de Press التي نجحت في التعاقد مع مجلة «الوطن العربي» ليوفّر لها الإعلانات (هناك من يؤكد أنه تعاقد أيضاً في تلك المرحلة مع صحيفة العمل الكتائبية). ولاحقاً، قدّم شويري مثالاً على استعداده للمغامرة فهو واجه الجمود الإعلاني والإعلامي في جزء كبير من العالم العربي عبر شركة Video Force التي عمدت إلى شراء أفلام الفيديو السينمائية من المخرجين، وتزويدها بالإعلانات ثم إعادة بيعها في بعض الدول العربية. ولم تكد هذه الشركة تنجح حتى أطلق بواسطة أرباحها مجموعة من الشركات الإعلانية في دول عربية عديدة، قبل أن يبادر أوسكار جزار إلى تزكيته عند المؤسسة اللبنانية للإرسال للاستعانة به في توفير الإعلانات فتعاقدت الـlbci معه وتبعتها فوراً صحيفتا «النهار» وl’orient وبعد عام انضمت صحيفة «السفير» إلى المتعاقدين معه. ويشار هنا إلى أن شويري كان دائم الترداد أنه لا يجد أي مشكلة في دعم صحيفتين تتناقسان لأن إضعاف إحداهما سيؤدي فوراً إلى ضعف الأخرى.
ومنذ مطلع التسعينيات، بدأت شركات شويري في معظم دول العالم العربي توسّعاً استثنائياً، إذ تعاقد مع أكبر وسائل الإعلام والإعلان في العالم العربي. وبعد صحيفة «الحياة» وقناتي «الجزيرة» و«العربية»، تعاقدت «مجموعة شويري» مع تلفزيون دبي، MBC GROUP وميلودي وغيرها الكثير. لكن رغم العمل الواسع مع وسائل الإعلام هذه، بقي للمؤسسة اللبنانية للإرسال حضورها الطاغي في حياة شويري الذي انحاز إلى جعجع في الصراع الأخير بينه وبين الضاهر، فبدأ تصاعد التوتر بين الشريكين السابقين، وانتهى الأمر بانفضاض الشراكة بين شويري وفضائية المؤسسة اللبنانية للإرسال.
«البريزيدان» يستقيل
الخيبة التي حصدها شويري بعد عمله الناجح مع «اللبنانية للإرسال»، سبقتها خيبة مماثلة بعد عمله الناجح مع نادي الحكمة. فهو بدأ منذ عام 1991 الاهتمام بفريق كرة القدم في نادي الحكمة ثم قرر بصفته رئيساً للنادي الاهتمام بفريق كرة السلة ونجح في العام الأول من إشرافه على الفريق أن يفوز ببطولة الدرجة الثانية في كرة السلة لينتقل بالنادي إلى الدرجة الأولى ويفوز في العام نفسه بالبطولة. ولاحقاً نجح شويري، مستعيناً بالعلاقات الإعلامية لإمبراطوريته الإعلانية، في أن يملأ الفراغ السياسي المسيحي بالكرة البرتقالية، محتضناً في ملعب نادي الحكمة كل الهتافات والزمامير السياسية المحظورة. لكن الغريب أن شويري بعد إفادته واستفادته من كرة السلة، قدّم عام 2003 استقالته من رئاسة نادي الحكمة، مفضّلاً إغلاق هذه الصفحة من حياته على الاستمرار في سجالات ونقاشات عقيمة.
دعم مطلق لجعجع
في موازاة الإعلان والرياضة، يركز أصدقاء شويري كثيراً في كلامهم على وجهه الإنساني، فيروي هؤلاء قصصاً كثيرة عن استعداده الدائم لمساعدة أصحاب الحاجة الجدية إذا طلبوا منه ذلك، علماً بأنه مساهم رئيسي في دعم كل من كاريتاس لبنان، وأوكسيليا، والمؤسسة المارونية للانتشار، ومؤسسة البطريرك صفير، والرابطة المارونية، وتلفزيون تيلي لوميار، واللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام وجامعة سيدة اللويزة. كما كان «بشراوياً» لناحية المواظبة على الصلاة وطغيان القيم المسيحية على يومياته، علماً بأنه كان المموّل الأساسي في إعادة بناء كاتدرائية مار جرجس للموارنة في وسط بيروت التي ستحتضن جثمانه للصلاة عليه غداً الساعة 11 قبل الظهر.
الخيبة التي حصدها بعد عمله الناجح مع «اللبنانية للإرسال»، سبقتها خيبة مماثلة بعد عمله الناجح مع نادي الحكمة
رفض أن يُعامل كمريض في السنتين الماضيتين وظل يهزأ بالسرطان حتى إدخاله العناية الفائقة
سياسياً، لم ينتسب شويري إلى القوات اللبنانية. لكنه بعد تعرفه على جعجع، انسجما في العمل وازداد قبيل اعتقال الأخير التنسيق بينهما. لكن بعد سجن الأخير، نجح شويري في الموازنة بين احتضانه جمهور القوات اللبنانية في ملاعب كرة السلة من جهة وتوطيد علاقاته مع مختلف القوى السياسية في لبنان والدول العربية من جهة أخرى. وازداد التداخل بين شويري وجعجع إثر خروج الأخير من السجن، حيث بات شويري جزءاً أساسياً من المجموعة الداعمة لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، وأهم المموّلين للقوات.
وبحسب المسؤولة الإعلامية في مكتب جعجع الإعلامي أنطوانيت جعجع، فإن شويري كان بمثابة «والد للحكيم» وهو كان يوفر الدعم المالي لكل من يطلب منه ذلك من دون استثناء، مطلقة على شويري لقب «إم تريزا لبنان». وتشير جعجع إلى إعداد القوات اللبنانية نفسها لتنظيم أكبر وداع شعبي ممكن لشويري في بلدته بشري حيث سيصلى على جثمانه في كاتدرائية مار سابا قبل أن يوارى في ثرى مدافن العائلة.
من رحل أمس كان لديه الوقت أيضاً لأسرته، لزوجته روز، ابنه بيار وابنته لينا وأحفاده السبعة وللأصدقاء، يتابع يومياتهم بمختلف تفاصيلها ويصغي باهتمام لأخبارهم. يلعب معهم الـ14 ويخبرهم عن آخر الكتب التي يقرأها. هو توقف عن التدخين قبل خمس سنوات، رفض أن يُعامل كمريض في السنتين الماضيتين وظل يهزأ بالسرطان حتى إدخاله العناية الفائقة في مستشفى «أوتيل ديو» منذ حوالى عشرين يوماً ليطوي أمس 69 عاماً.
Choueiri Group
تمتّد أمبراطورية أنطوان الشويري، المعروفة بـ«Choueiri Group»، في 11 سوقاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا واليابان. وتعمل عبر شبكة واسعة النطاق مؤلّفة من 14 فرعاً وأكثر من 500 مدير تنفيذي. والمجموعة هي شركة خاصة أسسها الشويري بداية في باريس بعد الحرب الأهلية في سبيعينيّات القرن الماضي. وكانت السعوديّة مكان إطلاق أوّل شركة إقليميّة تابعة للمجموعة، حيث بنى الشويري سمعته وطوّر المجموعة قبل أن يصبح مستعداً لإطلاق الأعمال جدياً في لبنان وفي الإمارات، وتصبح لديه أكثر شبكة وسائل إعلام توسّعاً في المنطقة.
وتنخرط المجموعة حالياً في إدارة وتسويق المساحات الإعلانيّة لأكثر من 30 محطّة تلفزيون وإذاعة وحقوق طباعة ولوحات إعلانيّة في منطقة الخليج العربي حيث أدّت الفورة الاستهلاكيّة منذ بداية الألفيّة الثالثة إلى نموّ القطاعات الموازية الأساسيّة كالإعلان نمواً كبيراً.
ومن بين الشركات الكبيرة التي تمّثّلها مجموعة الشويري إعلانياً، هناك «المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال» (LBC) وشبكة «الجزيرة» القطريّة والصحيفة اليوميّة «الحياة» وشركة «Dubai Media Inc»، إضافة إلى صحيفتي «النهار» و«السفير» اللبنانيّتين.
وتجدر الإشارة إلى أنّ النفوذ السائد لمجموعة الشويري في هذا القطاع الذهبي، تحديداً على صعيد التلفزيون، حفّز إنشاء «رابطة دول مجلس التعاون الخليجي للمعلنين» قبل 3 سنوات، علماً بأن المطلعين على أوضاع Choueiri Group يؤكدون أن شويري بنى مؤسسة متكاملة وجدية، وأن عدم وجود مشاكل على الإرث من جهة وإدارة ابنه بيار لجزء كبير من الشركة منذ سنوات، يخفف من احتمالات تعثرها، إضافة إلى وجود قوى نافذة في لبنان وخارجه تجد في استمرارية الشركة حاجة ملحة.