يتردد في الكواليس السياسية ان الحكم السوري مستاء من رئيس الجمهورية ميشال سليمان على خلفية دعوته الى عقد هيئة الحوار الوطني، وانتقائه المشاركين مستبعدا منها تمثيلا يرضي دمشق اكثر، وهي التي لا تكتفي باشراك شخصيات قريبة منها بعضها لا يفتقر الى صفة تمثيلية فعلية، بل تريد ضم آخرين في سياق "عودة" مبرمجة ومتواصلة الى الساحة اللبنانية. ويتردد ايضا ان سليمان لا "ينسق" مع الحكم السوري بالقدر المطلوب فهو يرضيه في كثير من الاحيان، لكنه لا يرضيه دائما، كما كان حال سلفه المستبعد من طاولة الحوار. وثمة عدة روايات تتواتر عن اسباب الحملات المتتابعة على الرئيس سليمان من جانب من ينسقون مع الحكم السوري في كل شاردة وواردة.
كذلك يتردد حديث يتم تظهير بعضه في الاعلام وبعضه الآخر يصل شفهيا عن امتعاض سوري من سلوك رئيس الوزراء سعد الحريري الذي، بحسب الروايات، لم ينفذ الاستدارة المأمولة منه بعد زيارة دمشق، ان لجهة انسحابه التدريجي من فريق 14 آذار بدءا بالتمايز عن طروحاتها، وصولا الى اطلاق رصاصة الرحمة على التيار الاستقلالي في لبنان. وبالطبع لا تغيب عن البال اشارة الرسائل الى الاعلام وفريق العمل وعملية "التنسيق" المعتبرة دون المستوى الذي تعّوده السوريون في لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية.
من جهة اخرى، تكاد مسألة زيارة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط لدمشق تصير نموذجا حيا لمسلك المصالحة مع الحكم السوري. فما ان يُلبى شرط حتى يحضر شرط آخر، ولا ينتهي المسلسل مع الخروج من 14 آذار ولا مع نقل الاكثرية من مكان الى مكان آخر، ولا مع العودة الى شعارات وادبيات قديمة، ولا مع كسر معنويات بيئة استقلالية رائدة، بل تكر سبحة الشروط الى ما لا نهاية.
هذه عينة لما هي عليه المصالحة مع الحكم السوري اليوم، في وقت ينزلق لبنان يوما بعد يوم نحو مرحلة ما قبل 2005، الامر الذي سيؤدي حكما الى عودة "الوصاية"، ليس بدهاء الحكم السوري وصلابته، ولا بسطوة سلاح "حزب الله"، بل بسبب استضعاف التيار الاستقلالي لنفسه.
ان المصالحة مع الحكم السوري مطلوبة، بمعزل عن اقتناع غالبية اللبنانيين في ما يتعلق بدوره في الاغتيالات، وما ستؤول اليه المحكمة الدولية. ولكن ثمة بون شاسع بين مصالحة وعلاقات تقوم على صداقة تتجدد وفق قواعد مغايرة لما كانت عليه ماضيا، وبين علاقة تقوم على الاذعان لمنطق وصاية ما غادرت يوما جزءا من اللبنانيين يراد ان تعم غالبية استقلالية ترفض ان يحكم لبنان من سوريا مثلما سبق ان رفضت ان يحكم ضدها. وكان صدامها الكبير مع الحكم السوري في سبيل انهاء عصر الوصاية الذي اضر كثيرا بالعلاقات بين البلدين والشعبين.
ان المصالحات العربية التي تمثل الاطار العام الراعي لمصالحة الاستقلاليين مع الحكم السوري لم تنص على عودة الوصاية، إلا اذا كانت هناك بنود مخفية غابت عن اللبنانيين! وحتى في هذه الحالة ليس ثمة ما يستوجب الاذعان لاحلام الآخرين في لبنان ولا سيما عندما يؤدي الاذعان الى دفن الاستقلال المعمد بالدم والدموع، من كمال جنبلاط الى رفيق الحريري وسائر شهداء ثورة الارز.