بعد الحوار وعلى إيقاع احتمالات الحرب
ليس بالصواريخ وحدها يُحمى لبنان
في غياب البدائل والخيارات وآليات الضغط المؤثرة، ومتابعة لجهود التسوية تحت مظلة المبادرة العربية للسلام، قرر وزراء الخارجية العرب (3-3-2010) تغطية السلطة الفلسطينية في اتجاهها للتفاوض غير المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، بعد تعذر العودة إلى التفاوض المباشر لعدم التزام إسرائيل بشرطي وقف الاستيطان ومرجعية التفاوض، أي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
في المقابل، يتصاعد قرع طبول الحرب بين إسرائيل من جهة، وإيران وسوريا و"حزب الله" و"حماس" من جهة أخرى، وآخر مشاهدها القمة الثلاثية التي جمعت الرئيسين السوري والإيراني، بشار الأسد ومحمود أحمدي نجاد، والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في دمشق، قبل أن تستضيف طهران مؤتمر التضامن الوطني والإسلامي مع فلسطين بحضور قيادات فصائل فلسطينية عدة، في رسائل هدفت جميعها إلى إعلام من يعنيهم الأمر بمتانة التحالف السوري – الإيراني ودعم قوى المقاومة في لبنان وفلسطين.
هكذا يبدو المشهد الإقليمي الأوسع عشية انعقاد القمة العربية التي تستضيفها ليبيا في 27 من الجاري.
أما في لبنان، فقبل يومين انعقدت هيئة الحوار الوطني، بصيغتها الجديدة، برعاية رئيس الجمهورية ميشال سليمان لبحث موضوع "الاستراتيجية الدفاعية" المطروح منذ ما بعد حرب تموز 2006، أي، بحسب ما يُفهم من هذا العنوان، كيف يمكن الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل أو كيف يتم التوصّل إلى صيغة توفيقية لذلك. من دون أن يجزم أي طرف بإمكان الوصول الى نتيجة لهذا الحوار في المدى المنظور، في ظل تصارع وجهتي نظر متوازيتين لا تلتقيان:
واحدة تقول إن الدفاع عن لبنان هو حق الدولة اللبنانية وواجبها الحصري، فضلاً عن عدم شرعية وجود أي قوى مسلحة باستثناء ما هو بيد القوى الرسمية للدولة، فكيف إذا كانت تلك القوى- أي "حزب الله" تحديداً- تمسك بقرار الحرب والسلم بمعزل عن الدولة ومؤسساتها ومستوياتها السياسية والتنفيذية والعسكرية.
ووجهة نظر ثانية لـ "حزب الله" وحلفائه تقول، إن الدولة اللبنانية ضعيفة، ثم إن تجربة المقاومة قد أثبتت فعاليتها منذ ما يزيد على عقدين من الزمن، في مقابل فشل تجربة التعويل على القرارات الدولية والآليات الديبلوماسية، وهي استطاعت تحرير أكثر الأراضي المحتلة بانسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000. قبل أن يتحول الحديث في الدفاع عن شرعية السلاح إلى ربطه بتحرير مزارع شبعا، وصولاً إلى الإعلان أنه باق قوةً رادعةً في وجه العدوانية الإسرائيلية المنتظرة في كل لحظة. أي أن وظيفته باتت شاملة في إطارها الإقليمي بحسب ما عكسته قمة دمشق الثلاثية واجتماع طهران الثوري.
إذاً، ما معنى الحديث في الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ثمة من ينتظر التوصل إلى صيغة تعمل بمقتضاها المقاومة بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وكيف ذلك، وما هي أوجه التداخل بين ما هو حاجة وطنية وحسابات إقليمية في قرار المواجهة؟
لا يقف الأمر عند هذا الحد. ثمة من يَسأل: هل بالسلاح والصواريخ وحدها يُحمى لبنان؟
هذا السؤال، عند مطلقيه، له مبرراته وأبعاده على أكثر من مستوى. إذ بعد أكثر من خمسة أشهر على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعد مخاض طويل وعسير، يبدو "حزب الله" منصرفاً بكليته إلى تعزيز "الغلبة" التي استقرت له بعد أحداث أيار 2008 ووليدها "اتفاق الدوحة"، وهو يتصرف مذ ذاك بمنطق من يعتبر أن الحرب واقعة لا محالة، وأن البلاد في طريقها إلى عدوان إسرائيلي كبير، وبالتالي فإن كل من يشكك في سلاح المقاومة فكأنه يعمل لصالح العدو، متناسياً أن للمقاومة والصمود شروطاً أخرى غير السلاح والصواريخ؛ سياسية ومالية واقتصادية وإصلاحية، تتعلق بالبنية الداخلية للدولة والتوازن الاجتماعي والاقتصادي فيها.
كل ذلك، و"حزب الله" في اندفاعته هذه لا ينكر استفادته من جملة تطورات شهدتها الساحة الداخلية منذ ما بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، ساهمت في إثبات أحقية منطقه. فأركان الدولة غارقون في إثارة موضوعات خلافية كبرى انعكست شللاً شبه كامل في العمل والانتاجية الحكومية، بين مطالب بتعديل الدستور بحيث تزداد صلاحيات الرئاسة، أو بتشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية وتخفيض سنّ الاقتراع إلى 18عاماً، أو معارض لكل ذلك. والحال أن شيئاً من ذلك لم (ولن) يتحقق سوى أن الدولة تبدو عاجزة ومشلولة على إيقاع حديث الحرب القائم.
وما بين الوضع الإقليمي المربك واحتمالات انعكاسه على لبنان، وسياسة القبضة الغليظة التي تعيق كل قرار سياسي أو إداري أو إصلاحي بانتظار تبلور الصورة الخارجية، وفي ضوء البحث القائم في القوانين الإصلاحية المطروحة والموازنة، هل يدرك "حزب الله" أن فشل تجربة حكومة الوحدة الوطنية سيصيب شبكة الأمان الوطنية كلها وليس جمهوره فقط، وأنه صاحب مصلحة أكيدة في إنجاح هذه التجربة، على قاعدة الشراكة في المسؤوليات والقرارات والعملية الإصلاحية برمتها بما ينقذ لبنان سياسياً ومالياً واجتماعياً؟
وهل يقتنع الحزب أنه ملزم بتحمّل مسؤولياته عمّا آلت إليه الأوضاع في لبنان، وقد شارف الدين العام على 60 مليار دولار، على اعتبار أن زعزعة البنية الداخلية للنظام المالي والاقتصادي اللبناني المرتبط شرطياً بالتوازن الاجتماعي، ستضع لبنان، والحزب وسلاحه، في دائرة الخطر.
ماذا بعد؟
قبل أسبوع استطاع الرئيس سعد الحريري فتح كوة في جدار الانسداد الكبير الذي تعيشه البلاد (وليس السلطة وحدها)، إذ استطاع تمرير بعضٍ من التعيينات المعلقة في فضاء الحسابات السياسية والمصلحية، لكن الأهم من ذلك كان قوله انه إنما أصرّ على ذلك ولو باستخدام التصويت في مجلس الوزراء ليُعرف من هو الطرف المعطل، ولئلا ننتظر عاماً إضافياً وتبقى المؤسسات معطلة. ما يعني أنه عندما تغيب الدولة، أو تغيّب، وعندما تسيطر سلطة الإنصات لحديث الحرب، يُستباح القانون، وتنتهك المؤسسات، ويداس على الشرعية والسيادة، وعلى السلم الأهلي وعلى حقوق الناس..