#adsense

النائب فضل الله وقانون “سكسونيا”!

حجم الخط

أثار الكلام الصادر عن النائب في المجلس النيابي حسن فضل الله وما أسماه "رفضه لأية محاسبة أو مقاضاة لأي صوت من أصوات المقاومة، وبأن هذه المحاسبة والمقاضاة لا يمكن أن تجري في لبنان وفي زمن المقاومة"!! يصبح هذا الكلام شديد الخطورة عندما يكون صادرا عن نائب في المجلس النيابي المؤتمن على تشريع القوانين، ويأخذ منحى أشد خطورة عندما يكون صادرا عن نائب لجهة وحيدة تملك السلاح، وسبق واستعملته في الداخل ورفعت الصوت عالياً مانعة مجلس الوزراء من مساءلة موظف"، والخطورة متأتية من كون كلام النائب فضل الله يفتتح مرحلة جديدة في لبنان مخالفة، ومن كونه كلام مخالف لنصوص الدستور اللبناني الصريحة ومع هذا صدر عمن يفترض أن يكون من حماة ومراقبي تطبيق الدستور!!

والمخالفات الدستورية التي اشتمل عليها تصريح النائب والمغالطات التي ارتكبها في تصنيف "عنصري" للبنانيين بين مواطن "مقاوم" وآخر "غير مقاوم"، وإذا ما بدأ القياس على هذا المنوال فلن نخلص إلا تصنيف "تكفيري" للبنانيين!! ولا ينص الدستور اللبناني بخصوصية ودرجة لمواطن على آخر، والذي يفصل في أي خلاف بين المواطنين هو المراجع القضائية المختصة، فإذا بنائب يعتدي على صلاحيات القضاء واستقلاليته في تصريح يظهر ويضمر تهديدا للقضاء اللبناني ويصنف له المواطنين الذين ينظر في دعاويهم المتبادلة!!

وقد خالف النائب فضل الله المواد الدستورية الآتية: إذ "المادة هـ" تنص مقدمة الدستور اللبناني (أضيفت هذه المقدمة إلى الدستور اللبناني بموجب القانون الدستوري الصادر في 21/9/1990) على أن "النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها"، وخالف ما نصت عليه المادة ط بأن: "لا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان"، وخالف ما نص عليه الفصل الثاني من الدستور تحت عنوان: "في اللبنانيين وحقوقهم وواجباتهم"، وما نصت عليه المادة 7 من الفصل الثاني بأن: "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم"، وخالف أيضا المـــادة 8 من الفصل الثاني التي نصّت على أنه: "لا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون"…

كل هذه المخالفات الدستورية ارتكبها النائب فضل الله في تصريحه، بل وارتكب مخالفات شرعية في تصريحه إذ ينص الحديث الشريف على أن "الناس سواسية كأسنان المشط"، وخالف أبسط حقوق الإنسان في الدفاع عن نفسه عندما يتهم أو يفترى عليه، وخالف كل وصايا الإمام علي )كرم الله وجهه( في القضاء، وكل ما نصت عليه رسالة القضاء للخليفة عمر بن الخطاب )رضي الله عنه وأرضاه( إلى أبي موسى الأشعري عندما ولي القضاء، بأن البينة على مَن ادّعى….

هذا التصريح شديد الخطورة ويفتح أبوابا خطيرة في وجه اللبنانيين أولا ويؤكد لهم أنهم ليسوا سواسية في هذا البلد، وأن هناك من هو فوق القانون وله حماية خاصة، وهناك من هو تحت القانون وتكال له كل أنواع التهم وليس له الحق حتى في الدفاع عن نفسه، ويفتح أبوابا خطرة أمام القضاء اللبناني وكل الخوف أن نجد أنفسنا في مرحلة لاحقة أمام "لوائح بأسماء من لا يساءلون ولا يقاضون ولا يواجهون ولا يحاسبون" لأنهم "صوت المقاومة"!!

لبنان لا يعيش في القرون الوسطى ليفرض عليه قانون "سكسونيا"، وسكسونيا هذه مقاطعة ألمانية صنعت لنفسها خلال القرون الوسطى قانوناً خاصاً عرف باسمها، وهذا القانون افترض مشرعه أن الشخص الذي يعمل في مجال الموسيقى مثلاً لا وجود له في الواقع وأنه غير حقيقي أو لا ينتمي الى حياة البشر بمعنى أن الموسيقي يُعد ظل رجل وإن محاولة "تشخيصه" أو إعطائه أهمية أو أثراً مجرّد خرافة ليس إلاّ، والأغرب من كل هذا أن القانون ينص على أن الذي يقتل موسيقياً لا جرم عليه و لا يقدم أمام القضاء لأنه إنما قتل "ظلاً" أو شيئاً موهوماً لا حقيقة له!.

واشتهر قانون سكسونيا أيضاً بأنه كان يصدر أحكاماً تقضي بقطع رقاب العباد من الطبقات المسحوقة الفقيرة والضعيفة، ويُستثنى من أحكام هذا القانون "طبقة النبلاء" الذين كان ينفذ بحقهم حكم قطع رقبة خيالهم المنعكس على الأرض!!

عصر القرون الوسطى ولى، واللبنانيون لا يعيشون في ظل محكمة "المقاومة" بل في ظل دولة ذات سيادة، ولا ينص دستور على أن السياسيين المقربين من حزب الله والموالين له لهم وضع خاص والقانون اللبناني لا يجرؤ على أن يطالهم، ولا يطبق عليهم لأنهم لا يخضعون له لتمتعهم بحماية "المقاومة"!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل