#adsense

هل تنجح المفاوضات غير المباشرة في التوصل إلى تسوية ؟

حجم الخط

إسرائيل تريد سلام الاستسلام والعرب يرفضون ولكن بدون حرب
هل تنجح المفاوضات غير المباشرة في التوصل إلى تسوية ؟

بات واضحاً للجميع ان اسرائيل هي التي لا تريد السلام، فيما العرب والفلسطينيون يريدونه شرط أن يكون شاملاً وعادلاً ومبنياً على أساس قرارات مجلس الأمن ومؤتمر مدريد.

لقد ذهبت اسرائيل الى مؤتمر مدريد رغماً عنها وتحت ضغط الادارة الاميركية يومذاك، لكنها كشفت عن حقيقة نياتها عندما أعلن رئيس الوزراء اسحق شامير أن المفاوضات لتنفيذ قرارات المؤتمر تحتاج الى أكثر من عشر سنين، وقد صح ما توقعه بل أكثر، اذ ان هذه القرارات لا تزال حتى الآن من دون تنفيذ.

وقامت الادارة الاميركية الجديدة للرئيس باراك اوباما التي علّقت الآمال الكبيرة عليها لتحقيق السلام في المنطقة عندما أجمع المسؤولون الاميركيون على الدعوة الى حل على اساس قيام دولتين تعيشان جنباً الى جنب داخل حدود آمنة، فما كان من اسرائيل إلا أن وضعت شروطاً تعجيزية لاقامة الدولة الفلسطينية تجعلها غير قابلة للحياة، كأن تكون منزوعة السلاح وألاَّ تحتفظ بجيش خاص بها ولا سيطرة لها على مجالها الجوي والبحري ولا يحق لها عقد أحلاف عسكرية مع أية دولة، وغيرها من الشروط.

وعندما اشترطت السلطة الفلسطينية وقف بناء المستوطنات لمعاودة المفاوضات رفضت اسرائيل ذلك بل ضاعفت عملية البناء، وتحدى نتنياهو بموقفه هذا الادارة الاميركية في قلب واشنطن… وعندما وافق وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير على اجراء مفاوضات غير مباشرة برعاية اميركية واستأنف المبعوث الاميركي جورج ميتشل جولته في المنطقة مدعوماً بجولة لنائب الرئيس الاميركي جو بايدن، ردّت اسرائيل بقرار يقضي ببناء 112 وحدة سكنية في الضفة الغربية و1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية محاولة بذلك اجهاض هذه المفاوضات قبل ان تبدأ.

حيال هذه المواقف الاسرائيلية المتشددة والرافضة تحقيق سلام شامل وعادل والساعية الى فرض سلام الاستسلام، ماذا على الفلسطينيين والعرب أن يفعلوا؟ بل ماذا على الدول الكبرى ولا سيما منها الولايات المتحدة الأميركية ومجلس الأمن الدولي ان تفعل عندما تقف اسرائيل وقفة استكبار وتجبّر منهم جميعاً؟ فإذا لم يكن الرد على اسرائيل بالحرب استناداً الى مقولة "ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة"، فاقله فرض عقوبات عليها، ووقف المساعدات الاميركية وغير الاميركية لها المالية منها والعسكرية، وان تعود الدول العربية مجتمعة الى مقاطعتها مقاطعة فاعلة مع قطع العلاقات الديبلوماسية وغير الديبلوماسية، اذا لم يكن كل ذلك كافياً فإنه يصبح من حق الفلسطينيين والعرب ان يفتحوا كل الجبهات إن لم يكن لحرب نظامية تقوم بها الجيوش، فلحرب مقاومة.

واذا كانت اسرائيل تشكو من وجود أكثر من 40 الف صاروخ في حوزة "حزب الله" يستطيع بها استهداف العمق الاسرائيلي وإحداث دمار وخراب داخل اسرائيل، وتشكو أيضاً من احتمال حصول ايران على سلاح نووي يهدد امنها بل وجودها، فلماذا لا تستجيب دعوة جميع الدول لتحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة فلا يبقى عندئذ مبرر لوجود مقاومة ولا لأعمال عنف وارهاب، فتعيش شعوب المنطقة بأمن وأمان بمستوى معيشي لائق يساعد على انحسار موجة الارهاب في العالم.

ولماذا لا تعمل الحكومات الاسرائيلية بما جاء في احاديث سابقة لرئيس الدولة شمعون بيريس عندما يقول فيها: "إننا نتحدث اليوم عن دولتين، والجمهور في اسرائيل يريد السلام إذا اقتنع بأن الطرف الآخر يريد ذلك. لقد وقعت بين اسرائيل والعرب سبع حروب وهذا يكفي، فإلى متى نظل نحارب؟"، ويضيف: "أنا اقترحت ان تقبل اسرائيل مبادرة السلام العربية، ولكن الأمر يحتاج الى مفاوضات. لقد قطعنا نحن والعرب شوطاً طويلاً في الحوار وفي الخطوات العملية على طريق السلام ونقول لأنفسنا في اسرائيل أين العرب اليوم من مؤتمر الخرطوم بلاءاته الثلاث، ونقول للعرب اين نحن اليوم في اسرائيل من مواقف الماضي؟ علينا أن نكمل المسيرة لننهي كل الصراعات، فالمبادرة العربية هي إنتاج رؤية جديدة في العالم العربي وهي تصلح أساساً متيناً لاستكمال عملية السلام، وأنا أثق بالرئيس مبارك عندما يقول إنه لا يريد أن يودي بحياة عشرات آلاف المصريين في حرب جديدة، وواثق بالملك عبدالله عندما يقول إنه لا يريد لأي سعودي أو فلسطيني أو عربي أن يموت في حرب. والواقع يقول الى متى سنظل نحارب؟ كفانا ما حاربنا، وهل نريد أن نواصل سفك دماء اولادنا؟". ويختم بالقول: "قلت للرئيس اوباما هناك ضرورة أن يقول للعرب تعالوا وانضموا الى العالم الجديد، فالمطلوب ليس نقل العرب الى الديموقراطية لأن الديموقراطية لا تُفرض فرضاً وليس بأي ثمن، وانها قد تسفر عن انتخاب غير ديموقراطيين أيضاً. واعتقد أن الرئيس أوباما يؤيد المبادرة العربية وان المنطقة نضجت للتوجه نحو السلام".

لكن هذا الكلام للرئيس الاسرائيلي لم يترجم منه شيء على أرض الواقع مع حكومة نتنياهو المتشددة، ولا مع حكومة أولمرت السابقة.
وكانت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس قد أعلنت ايضا في حديث لها عام 2008 "أن على الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني أن يدركا أن احلامهما التاريخية غير ممكنة وأن عليهما القيام بتنازلات صعبة عن بعض احلامهما من أجل تحقيق الحلم الكبير وهو قيام دولتين اسرائيلية وفلسطينية تعيشان جنباً الى جنب، وان الفرصة لقيام الدولتين لن تكون متاحة الى الأبد فالوقت يدهم الجميع".

وكان مسؤول اسرائيلي سابق قد أعلن "ان الزمن لا يعمل في مصلحتنا. كنا نرى أننا أصحاب حق ولم نر المحيط الأكبر، وأنا شخصياً كنت من المخطئين عندما عارضت تقديم التنازلات للفلسطينيين لأني كنت أعتقد أن الأرض الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الاردن هي ملك لنا نحن اليهود وحدنا. كنا نحفر في الارض ونجد الآثار اليهودية في باطنها في كل مكان، ونعتقد أننا اصحاب الحق التاريخي. ولكن بعد الكثير من العناء والتردد توصلت الى الاقتناع بأن علينا ان نتقاسم الارض مع من فيها. لا نريد دولة واحدة للشعبين". وفي اجتماع للجنة الخارجية والأمن البرلمانية قال: "إن مصلحة اسرائيل الوطنية العليا تقتضي التوصل فوراً وبلا تأخير الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين وعلى أساس دونم في مقابل دونم أي الانسحاب الكامل من الضفة الغربية باستثناء الكتل الاستيطانية، وكذلك عقد اتفاق سلام مع سوريا. فاسرائيل انشغلت طوال 45 سنة في رؤية ضيقة تجاه الفلسطينيين". لكن موقف هذا المسؤول الاسرائيلي ومن يرى رأيه في اسرائيل لم تحدث انعطافاً حاداً في المفاهيم الاسرائيلية المتشددة حيال المحيط العربي ولا سيما من يعبّر عن رأيهم امثال وزير الخارجية افيغدور ليبرمان الذي يقول ان تسوية على اساس مبدأ الدولتين هو طموح بعيد، وهو يراهن على ان السلام مع الفلسطينيين لن يتحقق حتى بعد 16 سنة من الآن إذا ظل المطلب الفلسطيني الذي يؤيده الرئيس الاميركي اوباما هو تجميد البناء الاستيطاني، اذ لا يعقل ان تكون في اسرائيل حكومة يمين تلتزم منع اليهود من البناء لسد حاجات التكاثر الطبيعي وان توقف البناء لليهود في القدس ونرى كيف يبني الفلسطينيون بلا توقف".

اذا كانت هذه هي حقيقة نيات اسرائيل وكانت ادارة الرئيس اوباما راغبة في تحقيق السلام ولكنها غير قادرة، ونيات العرب صادقة في تحقيق السلام الشامل، فمن هي الجهة او الجهات القادرة على دفع اسرائيل نحو السلام على أساس قيام دولتين وتنفيذ قرارات مجلس الامن ومؤتمر مدريد؟ وهل تكون المفاوضات غير المباشرة خطوة جدية على طريق تحقيق السلام في المنطقة، حتى اذا فشلت دخلت المنطقة في المجهول لتصبح كلفة الحروب التي بلغت 12 تريليون دولار مرشحة للارتفاع والموارد الى انخفاض؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل