شكلت جلسة الحوار الاخيرة ما يفهم منه ان هناك جهة ترفض ما تراه جهة اخرى، بل ما لا تريد الاعتراف بحق الاختلاف في الرأي.
ما يعني انعدام وسائل التفاهم على مخرج واحد يرضي الجميع طال زمن التحاور ام قصر؟!
لذا، يخطئ من يعتقد ان البقاء في دوامة البحث عن الاستراتيجية الدفاعية بمعزل عن سلاح حزب الله هو مكسب سياسي – وطني. كما يخطئ من يتصور ان الاستمرار في عدم الوصول الى استراتيجية تتضمن نصا صريحا يشرع سلاح المقاومة هو مكسب سياسي – وطني، في ما تؤكد معطيات هذه المرحلة ان الدوران في حلقة مفرغة ليس في مصلحة احد، بقدر ما هو ضد المصلحة الوطنية العليا، لاسيما عند اعتراف المتخاصمين باستحالة الالتقاء عند "خطر الاختلاف" كحاجة ماسة لاختيار المدخل اللازم والضروري للمباشرة في مقاربة اسباب المشكلة وموجبات معالجتها؟!
رب قائل ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان لم يحسن تحديد الاداء السياسي الواجب قبل دعوته الى طاولة الحوار، فيما هناك من يجزم بان الرئيس سليمان ليس مغلوبا على امره كونه يدرك اكثر من سواه ان عقدة الاستراتيجية الدفاعية لن تحل في ظل استمرار وجود سلاح غير شرعي مهما كانت الغاية منه. كما يدرك غير رئيس الجمهورية ان الظروف وان لم تكن مساعدة لتسلح من هو في غير موقع حزب الله، فلا يمكن القول حيالها ان المشكلة قد حلت او ان حزب الله على حق وغيره على باطل (…)
كما يقال ان ما يمنع الوصول الى استراتيجية دفاعية هو حزب الله كونه يشكل عقدة السلاح غير الشرعي، من منظار خصوم الحزب، لاسيما ان هؤلاء قد جربوا في مناسبات سابقة استحالة تعاطيهم مع حزب الله من دون ان يتخوفوا من اختلال في التوازن الميداني بواسطة سلاحه ولو جاء تحت عنوان "المواجهة الاستباقية"!
وطالما ان الامور عالقة عند هذه النقطة فان حزب الله يعرف بصورة مؤكدة ان تمسكه بسلاحه وبمعادلة سياسة الاستقواء على غيره، كما يعرف ايضا وايضا ان اي تغيير في هذه المعادلة لن يكون في مصلحته، ولا في مصلحة مشروعه القائم على قاعدة "غياب الدولة او تغييبها عن اي قرار له علاقة ما بالاستراتيجية الدفاعية"، فضلا عن وجود غطاء داخلي وخارجي لسلاح حزب الله ما يمنع على الدولة مجرد سؤال الحزب عن غايته الداخلية بمستوى غايته الاساسية ذات العلاقة بمواجهة اي تفكير اسرائيلي بمهاجمة لبنان مهما اختلفت اعتبارات وظروف المهاجمة؟!
والملاحظ، انه بقدر ما بوسع حزب الله وحلفائه الدفاع عن سلاح المقاومة، من الضروري القول ايضا ان بوسع من هم في غير موقع الحزب وحلفائه الاستمرار في رفض اي سلاح خارج على سلطة الدولة مهما كان ومهما اختفلت ظروف حامليه، ما يمنع مقاربة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها. واي كلام مغاير لا بد وان يشكل استخفافا بتداعيات مشكلة السلاح غير الشرعي، بدليل الخوف المقيم من اي تطور سياسي او غير سياسي على الحال الاقتصادية – المالية والاستثمارية في البلد (…)
هناك ملاحظة اخرى، لا بد من اخذها في الاعتبار، وهي المرتبطة بمالية الدولة والمؤثرات السياسية التي تمنع السلطة من تحديد وسائل مواجهة حاجات خزينة الدولة بواسطة الضرائب او من خلال تجميد الرواتب والاجور، الامر الذي يثير هواجس السياسيين جراء تأثر شعبيتهم من جهة، وعدم قدرتهم على تقديم بدائل لعلاج التعقيدات المالية!!
وفي مفهوم بعض السياسيين ممن لا تزال صورهم عالقة تحت عنوان "قوى 8 اذار" انه بقدر ما بوسعهم منع الدولة من ان تكون دولة، بقدر ما سيكون بمقدورهم التحرك سياسيا ولو من خلال التأثير على سلطة الدولة والادلة على ذلك ماثلة في تكبيل مجلس الوزراء بمعادلة التوافق المسبق بالنسبة الى القرارات ذات النكهة السياسية، بما فيها القرارات المتعلقة بطريقة عمل المؤسسات واركان الدولة؟!
لا يكفي هنا القول ان حزب الله وحلفاءه قد نجحوا في منع الوصول الى استراتيجية دفاعية لا تتضمن نصا صريحا يكفل استمرار وجود سلاح المقاومة طليقا. كذلك، لا يكفي القول ان من هم من غير رأي الحزب قد نجحوا في ابقاء السلاح غير الشرعي في ايدي حزب الله، طالما بقي البلد من دون قرار يؤكد منهجية السلطة وحرية قرارها العسكري المطلق!
صحيح ان هناك ثمة عودة الى طاولة الحوار في منتصف الشهر المقبل، لكن الاصح ان من يتوقع احراز تقدم سياسي يسمح اقله بتبادل المصالحة بين الخصوم قبل القول ان المتحاورين اقتربوا من لب المشكلة وشارفوا على وضع اصول وقوانين لكل من هم في مجال التعاطي مع السلاح، من غير حاجة الى انتظار اجتهاد من هنا ورد فعل من هناك لا يقاربان حق الاختلاف وحرية القرار العائد الى الدولة وحدها؟!