ان وجود عدو على حدودنا الجنوبية، قد نختلف على طريقة واسلوب ووسائل حماية لبنان من شره، انما يجب الا يبعدنا او يلهينا عن متابعة ومراقبة وتتبّع عدوّ جديد في الداخل، يهدد مجتمعنا المحافظ في معظمه، ويهدد عاداتنا وتقاليدنا، وطريقة تعاطينا بعضنا مع بعض، وينقل الينا نمطاً من العيش المختلف والجرائم المروعة التي يحفل بها المجتمع الغربي.
هذا العدو اطلق عليه اللواء اشرف ريفي مدير عام قوى الامن الداخلي اسم «جيل جديد من المجرمين»، وهو يأخذ مكانه الى جانب الاجيال الاخرى التي تمكنت القوى الامنية من ضبطها ومكافحتها والتغلّب عليها، فجاء هذا الجيل الجديد من المجرمين الدمويين، الذين يعتقد بانهم من صغار السن، يفرض نوعا من الجريمة القائمة على القتل والاغتصاب واقتحام البيوت والمحال في وضح النهار، واستخدام السلاح حتى في السرقات الصغيرة، ولم يخف اللواء ريفي مفاجأته من بروز هذه الظاهرة الاجرامية في اكثر من مكان، إن في الجنوب، واقتحام محل للمجوهرات وقتل صاحبته، او في منطقة نهر الموت وطعن فتاة بقصد قتلها وسرقة سيارتها، او في التسلل الى احد البيوت واغتصاب فتاة الى جرائم اخرى «جريئة» تدل على مدى تقدّم هذا الجيل الجديد في عالم الجريمة، ولكن المريح نوعاً اعلان اللواء ريفي تصميم قوى الامن بتعليمات مشددة من وزير الداخلية زياد بارود، على اخذ التدابير الناجعة لتطويق هذه الظاهرة الغريبة ووأدها في بدايتها وتخليص المجتمع والعائلات من شرورها، طالبا من العناصر الامنية كلها ابداء اقصى الاهتمام والجدّية في متابعة هذا الامر، ومتمنياً على وسائل الاعلام مواكبة قوى الامن في تسليط الضوء على الجريمة الجديدة التي اطلّت برأسها منذ ايام قليلة.
***
اذا كان لقوى الامن والجيش، ان تعمل ما عليها، والشهـادة للـحق انها تعمل الكثير، من حيث تفكيك شبكات التجسس والارهاب، والقاء القبض على رجال العصابات التقليديين، ومحاربة آفة المخـدرات، فعـلى وزارات وادارات اخـرى، مثل وزارات الاعلام، والثقافة والتربية، وبعض المجالس وهيئات المجتمع المـدني والمدارس والجامعـات، ورجـال الديـن، وفي شـكل خاص المديرية العامة للامن العام، القيام بحملة واسعة شاملة تبدأ بالتوعية والتنبيه والتحذير، وحضّ المواطنين في بيوتهم ومراكز اعمالهم، على التعاون في ما بينهم، والضغط باتجاه وقف المحطات التلفزيونية الفضائية، وكلنا يعرف ان عددها بالمئات، وهي تبث على مدار الساعة افلام العنف والدم والرعب والجنس والخلاعة، ووقف البرامج المحلية الهابطة، او تلك التي تحرّض فريقا على آخر، وطرح الصوت على فريق من الاختصاصيين في السلوك البشري الاجتماعي لكشف الاسباب المختبئة وراء هذه الظاهرة.
فهل هي مثلاً نتيجة للازمة الاقتصـادية، وحالات الفقر وانعدام فرص العمل، وارتفاع الغلاء وتدني الاجور، ولكن عمليات القتل التي ترافق السرقات تأخـذك الى اسباب اخرى، كالتأثر بما يشـاهده الشـبـان على الفضـائيـات من افلام الاجرام، خصوصاً اذا نجا المجرمون من العقاب، او افلام الجنس الفالت من الرقابة والحـشمة معاً، او افـلام المخدرات والمتاجرة بها وما تدرّه من اموال، كما يمكن لهذه الظاهرة المخيفة ان تكون ردّة فعل على الفساد الاداري، وعدم نجـاح الدولة في التصدي لمشاكل الناس وقضاياهم في الشكل والسرعة المطلوبين، او ربما تكون اخيراً نتيجة لاجواء العداء والكراهية القائمة منذ سنوات بين فريقين سياسيين، تأخذ في بعض الاحيان الطابع الطائفي او المذهبي، الا اذا وضعنا جمـيع هذه العوامل جانباً، وفتـشنا عن جـهة ما في الداخل والخـارج تريد تقويض النسيـج اللبنـاني الصـلب الذي لم تستطـع الحـروب والنزاعات والاعتداءات المتعددة تفتيته، بل اصابته بالوهن والمرض، وعندما اتت المناسبة الملائمة في العـام 2005 على اثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، التأم معظم جـروح هذا النسيج في يوم 14 آذار المجيد.
***
اعرف عائلات، وسمعت عن اخرى، لا تشعر بالامان حتى ولو هي داخل بيوتها، واعرف اباء يتأخرون عن اعمالهم صباحاً، ويغادرونها باكراًلمواكبة اولادهم من والى المدارس والجامعات، اما الخروج ليلاً الا لغرض ملّح، فمن رابع المستحيلات عند البعض.
الثقة بالوزير بارود كبيرة منذ الوزارة الاولى، ومستمرة في هذه الوزارة، والثقة عينها تنطبق على اللواء ريفي وقوى الامن والجيش، وايماننا ان هذه الظاهرة الخطيرة ستكون في رأس اولوياتهم واهتماماتهم، ويجب ان تتقدم على اي اولوية اخرى، حتى اولوية الانتخابات البلدية او غيرها.
ارواح اللبنانيين وارزاقهم وعيشهم وحرّية تنقلهم «بالدق» وكذلك سمعة لبنان ودولته، وعسانا نسمع اخباراً طيبة متفائلة في الايام المقبلة.
فؤاد ابو زيد