اقتراب موعد صدور القرار الاتهامي يعيد الفتور إلى العلاقة مع سوريا
هل يدخل التسييس المحكمة خدمة لمصالح دولية عليا؟
لماذا عاد الفتور الى العلاقات اللبنانية – السورية بحيث باتت في حاجة الى ترميم عبر زيارة ثانية يقوم بها الرئيس سعد الحريري لدمشق لمعرفة الاسباب الحقيقية؟ وهل هي كما يفسرها الاعلام القريب من سوريا بقوله إن الحريري لم يلتزم ما اتفق عليه خلال زيارته الاولى لسوريا ولا سيما ارسال اسماء مساعدين له ليقابلوا مساعدين للرئيس السوري ليتولى الجانبان اعداد كل ما يتصل بالملفات العالقة، على ان يكون بعد ذلك برنامج تواصل بين الوزراء المعنيين في الحكومتين، ومنها ايضا التعهد بادارة برنامج عمل سياسي داخل تيار المستقبل وفريقه السياسي يؤدي الى وقف كل اشكال الحملات الاعلامية والنقد السلبي لسوريا او العلاقة معها والتخلي عن كل الخطب السابقة التي كانت تقوم على اساس التحريض على سوريا، لا بل ان تصريحات صدرت عن الرئيس الحريري في ايطاليا والكويت رأت فيها القيادة السورية ان الرجل ليس على الخط الصحيح؟
هذا الفتور تحتاج ازالته الى وقت اذا لم تُبنَ الثقة بين الحكمين في البلدين وما لم يبذل مزيد من المساعي والاتصالات التي تقوم بها المملكة العربية السعودية وتركيا على الاخص والتي قد تتطلب قيام الرئيس الحريري بزيارة ثانية الى دمشق مع وفد وزاري يتخللها لقاء مع الرئيس الاسد لايضاح ما يحتاج الى ايضاح وتبديد الشكوك والشائعات ونقل الصحون الوسخة التي قد يكون مصدرها الجهات التي لا تناسبها عودة العلاقات اللبنانية – السورية الى طبيعتها لئلا يتضاءل او ينحسر دورها، خصوصا عندما يكون الرئيس الحريري صاحب الفضل في تحسين هذه العلاقات. وان سوء الفهم بين الرئيس الحريري والرئيس الاسد، في رأي البعض، سوف ينتهي بتعجيل وتيرة الزيارات الرسمية المتبادلة لتوقيع عدد من الاتفاقات، وقد تسبق هذه الزيارات زيارة لرئيس الحكومة السورية محمد ناجي العطري الى بيروت.
لكن اوساطا سياسية مراقبة لتطور العلاقات بين لبنان وسوريا منذ زيارة الرئيس سليمان وزيارة الرئيس الحريري لدمشق تخالف رأي وسائل الاعلام القريبة من سوريا في تفسير اسباب عودة الفتور الى هذه العلاقات، وتعزو حقيقتها الى عودة اخبار المحكمة ذات الطابع الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الى دائرة الضوء وما اثار ما تضمنه التقرير السنوي الاول لرئيس المحكمة انطونيو كاسيزي من اهتمام المعنيين اذ وجدوا فيه منعطفا مهما على اصعدة التحقيق والتقنية، اذ جاء فيه: "ان مكتب المدعي العام احرز تقدما ملموسا في تحضير القضية التي ستقدم مرتكبي جريمة اغتيال الحريري الى العدالة رغم انضباط من يقفون وراء الاعتداء وتطورهم الواضحين"، واصفا هذا التقدم بانه "كبير ويدعو الى التفاؤل". وتحدث التقرير عن سحب بعض الادلة والمعلومات التي تم جمعها طوال فترة التحقيق وازدياد الاقتناع بان مرتكبي الجريمة هم الاشخاص الذين استخدموا الشبكة المحددة ونفذوها بالاشتراك مع مجموعة اكبر، والاقتراب من تحديد هوية الانتحاري المشتبه فيه من خلال حصر اصله الجغرافي واعادة بناء ملامح وجهه جزئيا، ومواصلة التوسع في التدقيق في الادلة المتصلة بعناصر الترابط بين الاعتداء على الحريري والاعتداءات الاخرى، وان الاتفاق الذي ابرمته المحكمة مع الانتربول الدولي مكن التحقيق من الوصول الى قواعد البيانات. واوضح التقرير ان تسريع مكتب المدعي العام لتحقيقاته يهدف الى "تعجيل تقديم قرارات الاتهام الى قاضي الاجراءات التمهيدية كي تنتقل المحكمة الى العمل القضائي بشكل فعال في السنة المقبلة وهي مصممة على مواجهة التحديات وتنوي ان تحقق عدالة خالية من اي قيد سياسي او ايديولوجي".
الاوساط السياسية المتابعة لتطور سير المحكمة الخاصة بلبنان تعلق على مضمون هذا التقرير بالآتي:
"اولا: إن التحقيقات توصلت حتى الآن الى الكشف عن شبكة كبيرة جندت شبكات اصغر اغتالت الرئيس الحريري، فضلا عن توصلها الى وضع رسم تقريبي لمنفذ الجريمة وتحديد ملامح وجهه واصله الجغرافي.
ثانيا: إن التحقيقات، كما جاء في التقرير، لم تتوصل حتى الآن الى جمع الادلة والاثباتات لكشف المحرضين والمدبرين والمخططين لجريمة الاغتيال لان الكشف عنهم لوقوفهم خلف اعتداء ارهابي معين هو في غاية الصعوبة، اذ يكون مرتكبو الجريمة قد قتلوا انفسهم خلال ارتكابهم الاعتداء او بعده. اضف ان الافراد المشاركين في اعمال ارهابية وداعميهم تقودهم عموما معتقدات دينية وايديولوجية مرسخة تجعل من الصعب الحصول على معلومات منهم او على ادلة مقبولة. كما ان اعضاء المجموعات الارهابية غالبا لا يرغبون في الادلاء بمعلومات حول الشبكة الارهابية خشية تعرضهم للقتل على الفور او لغير ذلك من الاعمال الانتقامية من اعضاء آخرين في المجموعة. ويعتبر احتمال الوصول الى شهود مطلعين على الاسرار الداخلية ضئيلا مقارنة بجرائم الحرب، ومن دون هؤلاء الشهود يصعب اكثر على المحقق ان يجمع الادلة".
هل هذا معناه ان التحقيقات اوشكت ان تتوصل الى معرفة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، لكن قد يصعب عليها معرفة المحرضين والمخططين والمدبرين، وقد يحتاج التوصل الى ذلك وقتا طويلا؟
ثالثا: إن قاعة المحكمة استكملت وصار في الامكان اجراء اي نشاط قضائي فيها ابتداء من نيسان المقبل، وان الموازنة التي اعتمدت العام الماضي بلغت 51,4 مليون دولار في حين ان موازنة 2010 بلغت 55,4 مليون دولار يساهم لبنان فيها بنسبة 49 في المئة، بينما تؤمن نسبة 51 منها من طريق التبرعات الواردة من الدول. وهذا يطرح سؤالا حول امكان تأمين هذه الموازنة ليس للسنة الجارية بل للسنوات المقبلة اذا تقرر تمديد عمل المحكمة لانهاء مهمتها، وعندها يصبح العنصر المالي من اسباب تأخير او تعطيل عمل المحكمة كما يصبح التمديد لها من عناصر التجاذب السياسي والدولي.
رابعا: كان رئيس المحكمة كاسيزي قد اعلن انه يتوقع ان يقدم المدعي العام اولى لوائح الاتهام مطلع السنة الجارية، وهو يواصل اجتماعاته مع المدعي العام دانيال بلمار للاطلاع على التقدم الذي يحرزه لاصدار لوائح الاتهام التي يرفض بلمار تحديد تاريخ لاصدارها على رغم ان التحقيق في جريمة اغتيال الحريري مضى عليه حتى الآن ما يقارب الخمس سنوات، وان توظيف المزيد من الموظفين الاساسيين في الغرفتين التمهيدية والدرجة الاولى هو اشارة الى اقتراب موعد اعلان لوائح الاتهام. ويقول مصدر وزاري ان هذه اللوائح اذا لم تعلن مطلع هذا الصيف حدا اقصى، فانه يخشى عندئذ ان تكون عوامل التسييس بدأت تدخل الى المحكمة من نوافذ عدة منها التوقف عند كشف مرتكبي الجريمة من دون التوصل الى كشف من هم وراءهم، أو عرقلة متابعة عملية تمويل المحكمة من اطراف مشاركين في تسييسها، او من خلال معوقات قد تواجه التحقيق اذا لم تتعاون بلدان معنية مع المحققين، ذلك ان المحاكم الدولية ليس لديها قادة شرطة ولا شرطة قضائية او مباشرون لتنفيذ الاوامر القضائية ويتوجب عليها اللجوء الى الدولة المعنية وتطلب منها مساعدة المحققين والموظفين التابعين للمحكمة. اما السلطة اللبنانية فملزمة التعاون مع المحكمة بموجب قرار مجلس الامن 1757 الذي اعتمد وفق الفصل السابع، وتاليا في حال عدم امتثال لبنان لاي طلب او امر من المحكمة والاستمرار في الرفض، يعدّ قاضي الاجراءات التمهيدية محضرا قضائيا بعدم التعاون ويحال بواسطة رئيس المحكمة على مجلس الامن لاتخاذ الاجراءات المناسبة.
هل تكمل المحكمة مسيرتها من دون معوقات فتكشف المجرمين فقط او من هم وراءهم ايضا، ام ان اصابع "التسييس" تتدخل فتجعل المحكمة من دون محاكمة تحقيقا لاهداف سياسية ومصالح دولية عليا؟!