إلى متى يظل لبنان يدفع للآخرين ثمن استقلاله وسيادته وحريته ؟
لا سبيــل إلى حمايــة الوطــن مــن دون دولــة قويــة
إلى متى يظل لبنان يدفع الاثمان عن الآخرين وللآخرين وليس عن نفسه فقط؟ ففي عام 1943 دفع ثمن استقلاله وسيادته وحريته وامنه واستقراره نتيجة الصراع على النفوذ بين فرنسا وبريطانيا ثم بين بريطانيا واميركا وبين العرب والعرب، ولا يزال يدفع ثمن قيام دولة قوية تبسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها لتكون قادرة على حماية الوطن، وبعدما جعل اللبنانيون وطنهم ساحة مفتوحة للصراعات العربية والاقليمية والدولية وراحوا يتظاهرون ويحرقون الدواليب لمناصرة هذا او ذاك وتحولت هذه الساحة ايضا لصراعاتهم الداخلية فكانت حوادث عام 1958 التي توقفت مع دخول قوات البحرية الاميركية الى لبنان على اثر سقوط حلف بغداد وانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية.
ثم دفع لبنان ثمن دخول مسلحين فلسطينيين الى ارضه بحجة انهم يريدون تحرير اراضيهم المحتلة في فلسطين من لبنان بدون سواه وجعلوا طريقهم الى القدس تمر في جونيه… وقد تكبد لبنان جراء ذلك خسائر مادية وبشرية جسيمة، وتعرض جنوبه لسلسلة اجتياحات اسرائيلية تكررت معها هجرة ابنائه واشعلت حربا لبنانية – فلسطينية ثم حربا لبنانية – لبنانية، ولم تنفع خطب رؤساء الجمهوريات ولاسيما الرئيس الياس سركيس في المحافل العربية والدولية في تجنيب لبنان المآسي وقوله في احدها: "ان لبنان يتحمل منفردا اوزار قضية الجنوب اللبناني فابناؤه يقتلون ويشردون ويروعون وتدمر ممتلكاتهم وتنسف منازلهم وتنهب ارضهم باستمرار، وبرغم الشكاوى ضد اسرائيل بسبب اعتداءاتها المتوالية فان لبنان لم يحصل على ما يصلح لمعالجة الازمة في العمق اذ اقتصرت التدابير على بعض المسكنات التي لم تأبه لها اسرائيل، او على توصيات لم تقترن بالتنفيذ المطلوب. وحاولنا حمل المسؤولين في الدول العربية الشقيقة على وضع استراتيجية شاملة يتحمل بنتيجتها كل بلد عربي قسطه بنسبة امكاناته على كل صعيد لتخفيف العبء عن لبنان ويتساوى مع سواه في تحمل الاوزار، وان يتوفر للبنان وللمقاومة الفلسطينية ولسائر الاشقاء التطمينات اللازمة. فقضية فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني ملتزمون اياها جميعا، لذا اطلب وضع خطة مشتركة متكاملة تتناول وسائل الضغط الناجعة على الساحة الدولية وتحدد لكل فريق دوره وواجباته في مخطط الصراع مع اسرائيل لانه في غياب هذه الخطة، فان استمرار المقاومة الفلسطينية في ممارسة نشاطها العسكري انطلاقا من لبنان وحده، يعطي اسرائيل المجال لتكثيف اعتداءاتها على جنوب لبنان، فيما العالم يقف حائرا وعاجزا وقد اوصدت في وجه هذه المقاومة كل الابواب خارج لبنان وفتحتها على مصاريعها في لبنان وحده الذي لم يعد قادرا على تحمل المزيد من الموت والدمار والخراب والتهجير".
وفي قمة فاس المغربية قال وزير الخارجية يومذاك فؤاد بطرس "ان لبنان يتحمل وحده منذ سنوات وتحديدا منذ آذار 1978 وزر الحرب بين العرب واسرائيل بينما تنعم الجبهات الاخرى بالهدوء"، وطالب بوضع استراتيجية عربية شاملة موحدة حول الجنوب، وعندما حصل خلاف حول مشروع الامير فهد بين جبهة الرفض من جهة ودول الخليج ومعظم الدول العربية من جهة ثانية، حرص الوزير بطرس على عدم اتخاذ موقف لانه اذا اخذ موقفا مؤيدا لمشروع الامير فهد انفجر الوضع فورا في لبنان.
ويقول الوزير بطرس في مذكراته: "لا يمكنني ضميريا اخذ موقف ضد المشروع من اجل مسايرة سوريا وارضائها لذلك ارتأيت التمسك بمبدأ الحياد الايجابي الذي على لبنان تبنيه كلما وقع خلاف بين العرب".
ويضيف الوزير بطرس في مذكراته انه عندما وصل الرئيسان سركيس والوزان للمشاركة في اعمال القمة بدا الجو مكفهرا مع انفجار الخلاف بين جبهة التصدي ودول الخليج وحلفائها وكاد ذلك يطيح الفريق المعتدل. وعندها طلب عبد الحليم خدام الكلام وتوجه به الى الملك الحسن الثاني الذي كانت كلمته لا تخلو من التهكم بالنسبة الى تغيب الرئيس السوري. قال خدام: "انني مفوض بان امثل سيادة الرئيس السوري واذا كان ذلك لا يروق للمؤتمر فإني على استعداد للانسحاب، فبادره الملك المغربي فورا بالرد قائلا: "ان الابواب مفتوحة بوجهك وكذلك المطار. نحن لا نطرد احدا، لكننا لا نمنع احدا من المغادرة"…
هذا هو الوضع العربي في الماضي ولا يزال في الحاضر وهو الخلاف الذي يحول دون اتخاذ موقف واحد موحد من اسرائيل ومن المبادرة العربية للسلام التي صدرت عن قمة بيروت عام 2002 اذ يؤيدها البعض وينعيها البعض الآخر وهو وضع ينعكس سلبا على لبنان ويجعله يتحمل وحده وزر المواجهة مع اسرائيل كما حصل في حرب تموز 2006.
ان هذا الوضع جعل لبنان يدفع ثمن وقف الاقتتال والقبول بدخول القوات السورية لوقفه واخراج المسلحين الفلسطينيين من لبنان الى تونس، وان يدفع ثمن قبوله ذلك وصاية سورية عليه دامت 30 عاما كانت على حساب سيادته واستقلاله وحريته وديموقراطيته.
ثم دفع لبنان ثمن استقلاله الثاني بحمل القوات السورية على الانسحاب من كل اراضيه، شهداء واغتيالات استهدفت خيرة رجاله من سياسيين واعلاميين وهو لا يزال يدفع ثمن النضال لترسيخ هذا الاستقلال ولاقامة الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها فلا تكون دولة سواها ولا سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها، وهذا لم يتحقق حتى الآن لانه مطلوب من لبنان وحده، وهو الدولة التي لا تزال ضعيفة ومغلوب على امرها، تنفيذ القرارات الدولية التي لا تساعده الدول المعنية على تنفيذها. فاسرائيل لم تنسحب من الجنوب تنفيذا للقرار 425 الا بالمقاومة اللبنانية، ولم يتم تنفيذ القرار 1559 الا بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقيام "ثورة الارز" و"انتفاضة الاستقلال"، ولم يتم حتى الآن تنفيذ القرار 1701 الذي يؤدي تنفيذه بكل مندرجاته الى قيام الدولة اللبنانية القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها لان المطلوب من لبنان وحده تنفيذ هذا القرار فيما اسرائيل تواصل انتهاكه برا وبحرا وجوا والاسلحة تدخل اليه من ايران عبر الاراضي السورية فتتخذ اسرائيل منها ذريعة لتبرير انتهاكاتها. فكانت النتيجة انه لم ينفذ من هذا القرار سوى انتشار القوات الدولية مع الجيش اللبناني في المناطق التي انسحبت منها القوات الاسرائيلية في الجنوب، ووقف الاعمال العسكرية من دون التوصل الى اتفاق على وقف شامل لاطلاق النار، وبات معلوما ان لا قيام لدولة قوية في لبنان الا بتنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته وهذا التنفيذ لن يتم الا بتعاون كل الاطراف المعنيين، ولاسيما اسرائيل وسوريا وايران مع لبنان وهو تعاون لم يتحقق حتى الآن… وما لم يتم التوصل الى قيام الدولة اللبنانية القوية، فانه لن يتم التوصل الى حماية لبنان من اي اعتداء ولاسيما من اسرائيل. وما دام اللبنانيون منقسمين بين مناصر هذا المحور او ذاك في الصراعات العربية والاقليمية والدولية على ارضهم، فلن تقوم دولة، وما دام اللبنانيون منقسمين حول قيامها، فلن تتوافر وسائل الحماية اللازمة للبنان، لان قيام الدولة يحتاج الى موقف لبناني واحد وكذلك حماية لبنان ليس من عدوان اسرائيلي محتمل فحسب، بل من صراعات المحاور ايضا على ارضه.
فعندما حمى اللبنانيون وطنهم من ويلات حروب ماضية انما حموه بوحدة موقفهم ووحدة كلمتهم واستطاع الرئيس شارل حلو بفضل هذه الوحدة ان يرفض طلباً سورياً باقامة مواقع للمدفعية في منطقة البقاع لئلا يصبح طرفا في الحرب ضد اسرائيل. فهل يستطيع اللبنانيون وهم منقسمون على انفسهم ان يرفضوا اي طلب لسوريا حتى ولو كان يتعارض ومصلحة لبنان فسوريا في وضع لبنان الحالي وكذلك ايران هما اللذان يقرران عن لبنان وحتى من دون استئذان عندما يكون اللبنانيون منقسمين بين مناصر هذا ومناصر ذاك، فكم من الاثمان سيظل لبنان يدفع كي تقوم فيه الدولة القوية القادرة على حمايته من الحروب قبل ان تكون قادرة على مواجهتها، ومتى يبدأ لبنان بقبض الاثمان من الآخرين بعدما دفع لهم لسنوات طويلة اثمانا باهظة؟