غياب الحريري مادة توظيف و"هديتان" من عون وجنبلاط
14 آذار: تحدّي التماسك لحماية التكيّف السياسي
خطت قوى 14 اذار في الذكرى الخامسة لانطلاقتها خطوات على طريق تكييف نفسها مع التطورات التي طرأت على الواقع السياسي والهيكلي المتعلق بها، كما على صعيد الواقع السياسي العام، وظهرت تشكيلتها النواة الداعمة لإعادة بناء الدولة على قاعدة التمسك بها وتوفير العناصر الضرورية لحمايتها والتي لا يمكن اي منطق رفضها في المبدأ. وقد تلقت في ذكرى انتفاضتها الخامسة هديتين ضمنيتين، على رغم ان عدم حضور رئيس الحكومة سعد الحريري ان ولدقائق قليلة قبل انطلاق الاجتماع لم يكن موفقا في رأي كثر، نظراً الى الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي يمثلها حضوره، وان كان "تيار المستقبل" حضر بقوة، اذ ان لرمزية غياب الحريري أبعاداً تأويلية كبيرة في عز مطالبته من سوريا عبر وسائل الاعلام المتحدثة باسمها والمحسوبة عليها اضافة الى حلفائها في لبنان بابتعاده عن قوى 14 اذار وتطويع خطابها، علما ان موقفه كان واضحا اكثر من مرة في هذا الاطار بتأكيد تحالفه مع الفريق المسيحي في 14 اذار وعدم انسلاخه عنه. وهذه الاهمية لا تزال تكتسبها هذه المناسبة من بين ما تكتسب من أبعاد على صعيد التحالف السني المسيحي الذي لا يزال حقيقيا وقائما، وعدم استفراد اي منهما، على قاعدة ان الفريق السني الداعم للحريري مستهدف بمحاولة التفتيت او التفكيك بما يمكن ان يحوّل الحريري زعيماً سنياً يسهل انهاكه تمهيدا لإضعافه في مرحلة قريبة لاحقة.
الهدية الاولى والتي تكتسب اهمية وبعداً مهمين اتت من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي كان ثمة رهان كبير من خصوم حركة 14 آذار على ان "يذبحها" او يجهز عليها سياسيا عشية الاحتفاء بالذكرى الخامسة، عبر ما كان سيدلي به من مواقف تردد انها مقدمة لاحتمال اجراء مصالحة بينه وبين القيادة السورية. فجنبلاط الذي يعتبر كثيرون انه تسبب في زعزعة تحالف هذه القوى بانسحابه منها في 2 آب الماضي خيّب الرهانات الكثيرة على مغادرة موقعه الوسطي، او على تغيير اقتناعاته التي اعتمد الكثير منها في الاعوام الخمسة الماضية. وهو كان مطمئناً بالسقف الذي حدده فلم يقل ما لم يكن متوقعاً ان يقول ولا تجاوز سقفا لم يعد يستطيع الذهاب ابعد منه، في اطار المحافظة على كرامته. وهو كان سيناقض نفسه في الواقع لو انه فعله، باعتبار انه انتقل الى الموقع الوسطي تخفيفا للاحتقانات السياسية والطائفية، في حين ان مغادرته هذا الموقع ستؤكد بقاء الاصطفافات انما تعيد توزيعها على قواعد جديدة. وهذه هدية لم يقدمها لخصوم تحالف 14 اذار ولو لم يعد من ضمن هذه القوى، لكنه احترم تضحياتها وانجازاتها كما احترم خيارات الكثيرين ممن حوله والذين لا يستطيعون مغادرة مواقعهم واقتناعاتهم، فكان منصفاً لغالبية الافرقاء المعنيين بمواقفه الى حد كبير في ضوء الخيار الذي شاءه، مما قد يساعد في التمهيد لاحقا لسياسة وسطية معقولة يطمئن اليها الجميع، ويكون هو رائدها باعتبار ان هناك تفهماً لا بأس به للتحوّل السياسي الذي قام به جنبلاط، ولكن ليس لخطاب سياسي مختلف بعدما لقيت بعض رسائله الاعلامية لسوريا عدم ارتياح ومزيداً من المخاوف.
اما الهدية الاخرى فهي من رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون في الذكرى الخاصة بتياره في 14 اذار، ولو من حيث لم يشأ ولم يرغب في ان تكون هدية منه الى خصومه، وذلك باتهامه قوى 14 آذار بأنها اخذت شعاراته في الحرية والسيادة والاستقلال. وهذا الامر ليس جديداً في ادبياته بل يكرره سنوياً في الذكرى نفسها، لكن الامر يكتسب بعدا آخر هذه السنة بصرف النظر عما اذا كان يعني ان قوى 14 اذار تبنته من "التيار العوني" او اخذته منه بمعنى "سرقته" كما كان قال سابقاً، بحيث فقد هذا الشعار وبات في مكان اخر. وفي اي حال يتضمن كلامه عمليا القول ان هذا شعار استقلالي ولبناني بامتياز كان قائدَه في ما مضى، وهو اخذه من الرئيس الراحل بشير الجميل وحاول وضعه موضع التنفيذ على طريقته، لكنه اطاح حينها كل القوى المسيحية لانه اخذ منها شعاراتها ايضا. وتالياً لا ينبغي ان يكون هذا الشعار تهمة، علماً انه كان كذلك حين كان يرفعه ابان وجوده في قصر بعبدا، مما يدحض عمليا الكثير مما يرمي به حلفاء العماد عون هذه القوى من اتهامات، كما لا يبرر الكثير من المساعي والجهود لفرط تحالف هذه القوى الا بالمنحى السياسي للامور والتنافس السياسي وليس بمنحى التخوين والعمالة وسواها من التعابير التي تُلقى في الوسط السياسي.
لكن التحدي بالنسبة الى قوى 14 اذار كان ويبقى اولا في تقديم صورة متماسكة عن تحالفها اكثر مما ظهر في المدة الاخيرة، او تكييف صورتها تزامنا مع تكييف خطابها واخذ الظروف والتطورات السياسية في الاعتبار، ثم في امكان تقديم القاعدة التي يمكن ان يلتقي عليها كل الافرقاء اللبنانيون. فالبيان الذي قدمته تحت عنوان "حماية لبنان" اخرج هذا التحالف من الشؤون اللبنانية الداخلية الصغيرة الى امور استراتيجية ابعد مدى وتطرح حلولا لما يواجهه لبنان، على صعيد توفير الحماية له من الاعتداءات الاسرائيلية من ضمن ما يسمى استراتيجية دفاعية. فالنقاط التي اثارها البيان تستحق التوقف عندها ومناقشتها، لكن كثرا يخشون ان الواقع السياسي لا يزال محكوما برفض هذا المنطق من دون مناقشته او القبول بمناقشته في العمق، اي من دون تحويله مادة للجدل الاعلامي والسياسي، لمجرد ان الاقتراحات تأتي من "الطرف الآخر"، في حين ان الظروف غير ناضجة فعلا لبحث جدي لهذه الامور. ولذلك تتمثل الخطوة الاخرى في حمل ممثلي قوى 14 اذار هذه الاقتراحات الى طاولة الحوار وتطويرها في ضوء ردود الفعل والتعديلات الايجابية التي يمكن ان ترد، والتمسك بها على قاعدة المشاركة الفعلية في الحلول وعدم التخلي عنها في حال مواجهة حملات اعلامية مرتقبة لدحض كل المنطق المبني عليها.