#adsense

بين آخــــر الكــــلام وأولـــه

حجم الخط

لم يكن "آخر الكلام" لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط عشية الذكرى الخامسة لـ14 آذار والذكرى الـ33 لاغتيال والده الزعيم كمال جنبلاط بالقدر نفسه من الدراماتيكية الواقعية لـ"اول الكلام" المنبئ باستدارته السياسية في 2 آب 2009 رغم كل الانطباعات المخالفة لهذه الحقيقة. فآخر الكلام هذا، كان الشأن الشخصي الخالص لجنبلاط مع القيادة السورية. وهو يغضب كثيرين كما قد يرضي البعض، ولكنه يقطع الطريق "أدبياً ومعنوياً" على اي طرف ثالث غير البيئة الجنبلاطية والدرزية عموما في التدخل للحكم سلبا او ايجابا على ختم صفحة اغتيال الزعيم كمال جنبلاط بشعار "نسامح وننسى"، لان صاحب الحق والبيت حر بتصرفه ولو كان يتحمل وزره خصوصا بعد تلمس رد الفعل السوري النهائي على هذا التطور.

اما "أول الكلام" في مطلع آب الماضي فكان اشد وطأة لان مفاعيله الفورية والآنية آنذاك اثارت مخاوف مفرطة في هز التوازنات اللبنانية وكان يمكن ان يغدو اسوأ واخطر لولا خطوط حمر واضحة وثابتة تبين بعد ثمانية اشهر تماما ان جنبلاط نفسه وضعها لحدود استدارته.

في آخر الكلام بالامس، وعلى الدرامية الهائلة في الجانب التراجعي الشخصي، التي طبعها جنبلاط في توجهه الى القيادة السورية ان بالشق المتعلق بالمسامحة والنسيان، وان بالشق المتصل بالنقد الذاتي عن اتهاماته للرئيس السوري، لم يتجاوز جنبلاط الاطر الثابتة السياسية التي وضعها لنفسه في المعادلة الداخلية أو في معادلة العلاقة مع سوريا. بدا واضحا ان الزعيم الدرزي بعد ثمانية اشهر من خروجه النهائي من معسكر 14 آذار، ليس في وارد الذوبان النهائي ايضا في معسكر 8 آذار، سواء أحب ذلك من أحب او كره من كره، ومهما كانت الكلفة التي سيتحملها جنبلاط وهو يبدو واثقا تماما من ادراكه لهذه الكلفة، يقبع جنبلاط عند حدود وسطية رسمها كأنها القدر السياسي الجديد لما يمثله هو وطائفته. والاهم في هذا انه بمقدار ما يغضب من يأخذ عليه الافراط في التنازل بعدما وصل في السنوات الاربع السابقة الى ذروة الافراط في التصعيد، لا يوحي آخر كلامه تهافتا في تقويض المعادلة السياسية على النحو الذي اثار رعبا حقيقيا لدى حلفائه القدامى في آب الماضي.

في ذلك يتعين على راصدي جنبلاط، بين اول الكلام وآخره، التوقف عند تشبثه الثابت بالطائف، خصوصا لجهة رسم الوجهة مع سوريا. وسواء استقبلته دمشق ام لم تفعل، فان نقطة الوصل والفصل تبقى هنا في هذا المعيار، وهو امر يفترض ان يشكل واحدة من النقاط الاجتماعية النادرة في التعامل مع سوريا وتعامل سوريا مع لبنان.

اما في الشكل، فان آخر الكلام يفترض ان يعلي حقيقة اخيرة، ربما يكون مشكوكا في ان يعتمدها اقطاب السياسة في لبنان. فلقد حان الوقت فعلا للكف عن شخصنة العلاقات مع دمشق، وجعل مكبرات الصوت القناة الواقعية النشاز لمرورها وعبورها وترسيخها. ولن يفيد احد، بعد قيام علاقات ديبلوماسية بين بيروت ودمشق، ان يعاد فتح الابواب الرديفة لما كلف لبنان من اثمان اقله منذ عام 2005 ما لم يكن هناك كلام اخير حقيقي يفرض معه لبنان كلمته وموقفه على سوريا كدولة وليس كمجموعة زعامات واجندات، متلونة ومتقلبة، بتلون الوقائع الخارجية والحيثيات الذاتية والمصالح الخاصة، خصوصا ان احدا لن يلوم دمشق في توظيفها لهذه الآفة. فطموحاتها في لبنان بالكاد يمكن توازنها بدولة سوية، فكيف اذا ظل مسار العلاقة معها مرهونا بافعال ندامة لزعامة من هنا وزعامة من هناك؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل