#adsense

فييتنام المعسكر المهدوي

حجم الخط

سايغون حرة يا ثوار عادت حرة الأحرار
دحنا حنشبع بكرا أغاني اسمع واكتب يا كتباني
واثبت عندك في الأوراق مصر بتنضج بالاشواق
أحمد فؤاد نجم

المهدوية

لفتني مقال يتحدث كاتبه عن الرؤيا المهدوية في خطاب الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد يحاول فيه الكاتب تسويغ هذا الخطاب وربما جعله مقبولا للقارئ غير الملتزم العقيدة المهدوية، وهي جملة من القناعات والرؤى التي تراكمت عبر اكثر من الف سنة بعد زمن الغيبة الصغرى للامام المهدي في القرن العاشر ميلادي، وقد تستمر في التراكم خلال الغيبة الكبرى الى يوم عودة الامام المهدي، وهذا يعني ان القناعات المهدوية لم تكن في اساس العقيدة الشيعية قبل استشهاد الامام الحادي عشر حسن العسكري، وحسب الاعتقاد المهدوي فان الامام المهدي هو ابنه الوحيد.

ولاية الفقيه

ما لنا وكل هذا الجدل الفقهي، الذي يدخل في معظمه في قناعات ايمانية ما ورائية تخص المؤمنين بها، ولكن من الناحية السياسية، فان مبدأ ولاية الفقيه والجمهورية الاسلامية اسسهما الامام الخميني على هذه القناعات الايمانية وبناء على فرضية وضعها الشهيد محمد بن مكي الجزيني في أواسط القرن الرابع عشر ميلادي والتي تفترض انه كما في اثناء الغيبة الصغرى للامام المهدي كان التواصل معه يتم من خلال الوكلاء الأربعة او الرسل، فان المنطق يقول ان زمن التقية لا يجب ان يطول وان وكالة المهدي هي مسألة منطقية اثناء الغيبة الكبرى، وان هذه المرتبة يجب ان تكون لأكثر العلماء علماً وتقى وهنا ظهر تعبير "الولي الفقيه" الشهير ربما لأول مرة في التاريخ. بعد ذلك عاد الحديث عن هذه الوكالة في عهد الدولة الصفوية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وعلى لسان وفي كتابات بعض المجتهدين لاحقا الى ان وضعت الأسس الحالية لهذه الرؤيا على يد الامام الراحل روح الله الخميني الذي اضاف لاحقاً، وقبل وفاته بفترة قصيرة، مسألة ضرورة عصمة الولي الفقيه في رسالة شهيرة ارسلها سنة 1988 للسيد علي خامنئي الذي كان يومها رئيساً للجمهورية الاسلامية الايرانية.

باختصار، فان الرؤيا المهدوية، حسب مقال الكاتب تشابه ما جاء في الكثير من الديانات عن عودة "مخلص" ليقيم العدل ويحيي دولة الحق بعد قيام المعركة النهائية التوراتية بين الحق والباطل، ويعتقد معتنقو مبدأ ولاية الفقيه ان الامام المهدي يحتاج الى اشارات معينة ليعجل في عودته ومن ضمنها مد حكم الجمهورية الاسلامية، اي سلطة الولي الفقيه، على أوسع بقعة من الأرض.

فييتنام:
قد يقول قائل الان وما دخل فييتنام في هذه المعمعة؟
ولكن الواقع هو ان الرؤيا الشيوعية وصلت في مراحل الخمسينات من القرن الماضي الى ايمان يشابه العقائد الدينية، وصار هدف الملايين من معتنقي العقيدة الشيوعية هو التحضير للمعركة الكبرى التي ستنتصر فيها الاشتراكية على الرأسمالية حتى تأتي بعدها "جنة" المشاعية الثانية المعروفة بـ "يوتوبيا" حيث "يعمل الانسان حسب قدرته ويأخذ حسب حاجته" دون ملكية شخصية أو رادع قانوني لانه حينها يكون قد خلق الانسان الجديد. في ظل هذا الواقع، انقسم العالم اثناء الحرب الباردة بين "فسطاطين"، من جهة المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية. والجدير ذكره ان المتصارعين لم يتواجها مباشرة الا نادراً، وكانت حربهما الضروس تخاض بالواسطة، وكان الضحايا عادة، وبالملايين من غير مواطني الدولتين المتزعمتين للمعسكرين.

احد مواقع هذا الصراع كان فييتنام التي قسمت بعد خروج الفرنسيين منها سنة 1958 الى جنوبية عاصمتها سايغون وشمالية عاصمتها هانوي.
باختصار شديد فقد كانت هانوي تتحمل على سنوات طويلة تبعات الحرب الباردة من خلال الغارات المدمرة والمتكررة للطيران الحربي الأميركي، وبالطبع فقد كانت دول المعسكر الشرقي تدعم بالمال والاقتصاد والسلاح وتستنزف المعسكر الغربي بشكل فعال في تلك الحرب التي أودت بحياة ثلاثة ملايين مواطن فيتنامي ودمرت البلد بشقيه قبل ان يتوحد سنة 1975 بعد ان خسرت الولايات المتحدة اكثر من خمسين الف قتيل فانسحبت من فييتنام تحت وطأة الانقسام الوطني الذي طبع هذه الدولة الكبرى في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ومع كل ذلك الانتصار الكبير، لم تتحقق الرؤيا الشيوعية، وتحولت فييتنام الموحدة اليوم الى اقتصاد السوق لتصنع الالبسة والمنتجات التي تباع في الأسواق الاستهلاكية.

لبنان هو فييتنام المهدوية:
لماذا هذا الكلام الآن؟

لأن الكثير من القناعات التي تبدو في وقتها غير قابلة للنقاش في وقت كان "يستشهد" الملايين فداء لشعاراتها، وفي وقت كان يخون ويعدم في الطرق كل من كانت تسول له نفسه بمجرد طرح حتى التساؤلات البريئة حول هذه العقائد. واليوم، ورغم كل التبدلات، فاننا نرى مجدداً ما يحدث مع المعارضين لمجرد التشكيك في صحة النظام القائم في إيران ونرى تلامذة هذا النظام في لبنان يستسهلون استعمال البلد وابنائه في خدمة معسكر جديد ولا يتورعون عن تخوين كل من يقول لهم "خافوا الله في وطنكم!"

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل