لو أن قوى 8 آذار، بتلاوينها وألوانها كافة، السياسية منها والطائفية والمذهبية، توقف حراكها المحموم، ونشاطها المتصاعد يوما بعد يوم، لتحقق هدفا وحيدا، تعتبره على ما يبدو، حلم وجودها، هو إلغاء تكتل انتفاضة الاستقلال، وشطب يوم 14 اذار 2005 من ذاكرة التاريخ،.
وتجرّب ان تقلد ما تقوم به قوى 14 اذار من عمل منهجي ديموقراطي وطني انفتاحي حر، في المناسبات المحسوبة على هذا التكتل، كمثل مناسبتي 14 شباط و14 اذار من كل سنة، وفي المناسبات الوطنية الاخرى، وتلك الطارئة، حيث تبادر الامانة العامة الى دعوة القيادات السياسية والحزبية والاقتصادية والاعلامية المنضوية في هذا التكتل العريض، لدرس ومناقشة وتبادل الرأي بين هذه القيادات، لتخرج بنتيجتها ببيان او وثيقة لجمهورها، ولكل اللبنانيين وللعرب والعالم، وتضع امام الجميع رؤية تكتل 14 اذار للقضايا المصيرية والتحديات الكبيرة التي يواجهها لبنان في هذه الفترة العصيبة من تاريخه وتاريخ المنطقة، وتقترح حلولا ومواقف بما تراه الافضل او الممكن لحفظ مصالح لبنان وشعبه، كل شعبه، على شاكلة بيانها السياسي الذي توج المؤتمر الثالث الذي عقد امس في البريستول لمناسبة ذكرى 14 اذار، ولان البند الاساس في هذا المؤتمر «كيف يمكن حماية لبنان».
ليس عيبا على 8 اذار ان يتمثل او حتى يقلد ما تقوم به الامانة العامة لقوى 14 اذار، لان النقاش الحر المفتوح الذي تؤمنه الامانة العامة لجميع الاعضاء من دون تمييز بين قيادي درجة اولى او ثانية او ثالثة، يجعل من لقاءات هذا التكتل او مؤتمراته برلمانا كبيرا قائما على ركائز الديموقراطية والحرية والمساواة، وقبل كل شيء على الحس الوطني والاعتراف بالاخر، وما يجعل حضور هذه المؤتمرات حضورا مشاركا وليس حضورا متلقيا، كما هي الحال عند 8 اذار، حيث يقرر فريق واحد ما يجب فعله – وفي احسن الحالات فريقان – فيلتزم الكل، ومع الاسف ان معظم هذه القرارات ان لم تكن جميعها، تدور حول كيفية زرع الخلافات بين قوى 14 اذار تمهيدا لفكفكتها.
* * *
بعد الاجتماع الذي عقد في 14 شباط، والاجتماع الذي عقد بالامس، والصلابة والتلاحم بين مكونات 14 اذار والرغبة باستمرار التحالف حتى آخر نفس، ثبت ان انتفاضة الاستقلال تجاوزت قطوع انهيارها، على الرغم من اخطائها وخيبات الامل، وافشلت محاولات ضربها من الداخل، ولذلك فإن بيانها بالامس، كان بيان الفريق القوي وليس الفريق الضعيف، وهي من مركز القوة هذا، حرصت حرصا ملحوظا على انتقاء كلماتها وعباراتها في بيانها الختامي، مراعية شعور شريكها في الوطن، ومادة له يدها للتعاون من اجمل حماية لبنان، وضعت خريطة طريق وطنية وعربية ودولية، سليمة المسالك والمعارج والاهداف، قادرة باتفاق اللبنانيين عليها والالتفاف حولها ان تؤمن شبكة امان وحماية للبنان في وجه اي عدوان اسرائيلي محتمل، خصوصا بعدما ظهر بوضوح، من خلال تحليل سياسة الحكومة الاسرائيلية، واجراءات العودة الكبيرة الى الاستيطان، ان اسرائيل غير راغبة بالسلام لا مع الفلسطينيين ولا مع جيرانها العرب، وبالتالي فإن اي خطوة ناقصة او غير مدروسة، واي تصرف لا يحسب حسابا للمصلحة اللبنانية، سيحولان لبنان الى ساحة صراع اقليمي، لن يحصد منه سوى الخراب والدمار واعادة لبنان الى القرون الماضية، من هنا كانت مناشدة تكتل 14 اذار جميع الاطراف السياسية المعنية، وضع خلافاتها جانبا، والتسليم لحكومة التوافق الوطني بأنها صاحبة الحق في تقدير الموقف الناتج من اي عدوان اسرائيلي، وهي التي تتخذ الاجراءات اللازمة بشأنه، على ان يكون الجيش اللبناني المسؤول الاول، وقد لا يكون الوحيد، عن التصدي لاي عدوان.
* * *
كثيرون، في هذه الايام يهاجمون الدولة ويتهكمون عليها، ويسألون اين هي، ولو انهم صرفوا هذا الجهد ووظفوا هذه «الجواهر الناطقة» في خدمة تقوية الدولة ومساعدتها واعطائها عناصر الدعم المعنوي والمادي اللازم، لكانت الدولة قامت وتعافت منذ زمن، ولكن الاستمرار في اضعاف الدولة، خدمة لاغراض اخرى، سيعوق حتما الجهود التي يبذلها الاخرون لانهاض الدولة، ولذلك فإن مقابلة بيان 14 اذار بما يستحقه من اهتمام وتفهم ونية حقيقية بالتعاون لحماية لبنان، سيكون من شأنها قطع اكثر من نصف الطريق للعبور الى الدولة، حتى ان النائب وليد جنبلاط في مقابلته التلفزيونية يوم السبت دعا الى اعتماد العبور الى الدولة، لان لبنان لا يجوز ان يبقى وحده ساحة الصراع ضد اسرائيل.
بأي حال هذه المقابلة سيكون لها كلام آخر.