كم صدق بيان النقاط السبع للقاء قوى "14 اذار" اثر انعقاده في البريستول لاحياء ذكرى انتفاضة الاستقلال – وكم صدقت المعاني المتزاوجة مع الاسلوب الواضح في وصف واقع موقف تلك القوى: اجل العنوان العريض "حماية لبنان" يعكس لوحده الهاجس الاساسي – الهم الاكبر – المشكلة الكبرى.
رب سائل حماية لبنان ممن؟
والجواب السريع والمباشر الذي نعطيه بلا خجل وبكل صراحة: حماية لبنان من لبنان اخر… وعذرا سلفا للتمييز بين "لبنانين" – اذ لا ندعي تقسيما ولا تفريقا ولا تفتيتا بين اللبنانيين بل ندعي توصيفا لواقع حال سياسي ومشهد وطني غير متماسك .
أجل ان لبنان اليوم مهدد دولة وشعبا ومؤسسات وسيادة وحرية واستقلال ليس فقط من اعداء واشقاء وحلفاء الخارج (الذين تنوعوا على مد تاريخ لبنان الحديث) بل وقبل اي شيء من ابناء الداخل… فيا للمعضلة الكعداء …
فالغريب معذور ان حاول – ولو على حساب الاخرين – تحقيق مصالحه ولكن لا نرى عذرا لابناء الوطن في ان يعملوا لتحقيق مصالح الغريب على حساب الوطن ومصالح الوطن والشركاء في هذا الوطن …
أجل لبنان بحاجة الى حماية من بعض ابنائه الذين قرروا خطفه واسره ورهنه لمخططات خارجية ومصالح خارجية – خدمة لاهداف واستراتيجيات غريبة كل الغرابة عن مصالح اللبنانيين ومصالح دولتهم
أجل لبنان بحاجة الى حماية من بعض ابنائه الذين قرروا – تحت شعارات نبيلة من المقاومة والدفاع عن الارض والعرض – ان يذهبوا الى ابعد من الارض والوطن والعرض ليصبوا في المقلب الاخر من استراتيجيات مواجهة كونية مفتوحة من اجل ملف نووي من هنا او تصدير لثورة من هناك او خدمة لمصالح شقيق جشع لا يرى حدودا لعلاقاته مع شقيقه الاصغر الآمن خلال تطويعه ودهس ذاتيته بالتباهي بقسمة اللبنانيين بين حليف له ومعاد له – بينما كان الاجدى به ان يعمل على كسب ود كل لبنان وكل اللبانيين انطلاقا من مراجعة حسابات وتصحيح للعلاقات كان اعلنها في ظرف معين و بتاريخ معين ولكنه لم يلتزم بما وعد وبما اقر به بنفسه .
لبنان اليوم مهدد من بعض ابنائه الذين يرغبون في جره الى مواجهة لا تخدم مصلحته ولا تخدم استقراره وازدهاره وتقدمه – فيكفي ان نشير الى ان ثمة جسور الى الان لم يعاد بناءها منذ حرب 2006 المشؤومة – فكيف بنا اذا ما دمرت بنى لبنان التحتية والفوقية كما يعدنا الطرف الاسرائيلي في هذه اللعبة الجهنمية التي قد يتولى بطولتها .
لبنان اليوم مهدد ببعض ابنائه الذين قرروا التنكر لخصوصيته والاستفراد فيه في حفلة مواجهة اقليمية تضع هذا الوطن الصغير في مواجهة اعتى اسلحة الدمار المتبادل بين جمهورية اسلامية ايرانية واسرائيل وربما الغرب والعالم باكمله …
لبنان مهدد من بعض ابنائه الذين باتوا لا يخجلون ولا يستحون ولا يردعون ذواتهم من الطعن في كل ما هو لبناني وتوحيدي ومؤسساتي في البلد وقد استخدموا القوة ولا يزالون لا يعتذرون عما الحقوه بقسم كبير من شركائهم في الوطن – وفي كل ما يقوي الدولة ويعطي اولوية الدفاع عن لبنان للشرعية اللبنانية التي تملك لوحدها شرعية العلاقات الدولية وشرعية الديبلوماسية الخارجية وشرعية رد العدوان اذا ما وقع.
لبنان مهدد من بعض ابنائه الذين قدموا مصالحهم العقائدية والطائفية والمذهبية على مصالح البلد الجامع ودولة الجمهورية الديمقراطية البرلمانية – ليعتنقوا مبدأ القوة ولا شيء سوى القوة والعنف والتعنيف والتهديد والوعيد – وكأن هؤلاء اللبنانيون باتوا جزءاً من معادلة انتقلت عدواها اليهم من انظمة مستبدة وتوتاليتارية مطلقية – لا تضمن استمراريتهم الا بالقوة وبوجود القوة وتمجيد القوة واعتبار القوة نهجا وبرنامج ورؤية مستقبلية لبناء وطن ولحمة وطنية لتلاقي راي عالمة الانتروبولوجيا ماري برتيري في قولها :"ان الانظمة المستبدة لا يمكنها ان تستمر الا اذا جعلت من الحرب مؤسسة دائمة ".
لهذه الاسباب بات لبنان بحاجة الى حماية من داخله اولا – ولهذه الاسباب كان بيان البريستول صرخة لبنان التاريخي الى لبنان اخر غريب عن اصالته وتراثه وحضارته والتزامه القومي والانساني منذ فجر تاريخه .
فالبيان الصادر عن لقاء البريستول بما تضمنه من بنود ومبادرات نداء صادق الى الشريك اللبناني الشارد في غياهب المغامرات والالتزامات الايديولوجية الفئوية المبهمة والمجهولة النتائج – ليعود الى ذاته والى اصالة وجوده ويعرف نقائصه اللبنانية والوطنية اولا لان الوطن بحاجة اليهم اولا واخيرا والوطن احق من الاخرين بسواعدهم وعرقهم ودمائهم.
اجل لبنان بحاجة الى حماية من بعض ابنائه … وكم يؤسفنا ان نكون في هذا الوارد اليوم بدل ان نكون جميعا صفا واحدا في حماية لبنان الدولة والكيان والمؤسسات – لا لبنان المكاسب والحسابات الاقليمية والخارجية على حسابه .