#adsense

ماذا تريد سوريا من لبنان وماذا يريد لبنان من سوريا؟

حجم الخط

ماذا تريد سوريا من لبنان وماذا يريد لبنان من سوريا؟
مطلوب لقاءات مصارحة تعطي كل ذي حق حقه

بات على الجانبين السوري واللبناني أن يتصارحا، فيعلن كل واحد منهما ماذا يريد من الآخر لا ان يجعله يفهم بالاشارة من دون أن يطلب…
الواقع ان العلاقات اللبنانية – السورية كانت دائماً تتعرض لحالة مدّ وجزر منذ أن استقل احدهما عن الآخر عام 1943، فالقيادة السورية ظلت تنظر الى لبنان نظرة القاصر الذي هو في حاجة الى وصاية دائمة ولم تنشأ بينهما العلاقة القائمة بينه وبين سائر الدول العربية، وهي علاقة مستقرة إجمالا، فعندما قامت وحدة بين سوريا ومصر أصبحت العلاقات واضحة وثابتة مع لبنان بمجرد انعقاد قمة بين الرئيس عبد الناصر والرئيس شهاب، وصار التفاهم خلالها على كل شيء بحيث لم يكونا في حاجة الى عقد قمة أخرى. في حين أن لبنان اضطر بعد ذلك الى عقد قمم كثيرة مع سوريا وظلت العلاقات بينهما تشكو من أخذ وردّ لا لشيء سوى ان سوريا تنظر الى لبنان نظرة القوي الى الضعيف وترفض ان يكون له القرار الحر المستقل عن قرارها، وهي سياسة اعتمدتها حياله حتى عندما كان في لبنان وسوريا حكمان صديقان، حكم الرئيس شكري القوتلي وحكم الرئيس الشيخ بشارة الخوري، اذ عندما فاوض لبنان وحده فرنسا لعقد اتفاق نقدي لتغطية الليرة اللبنانية، حملت عليه سوريا لأنه كان عليه ان يذهب معها لعقد هذا الاتفاق. وعندما بدأت المحادثات بين البلدين حول العلاقات الاقتصادية، واقتراح تعديل الاتفاقات المعمول بها بسبب نواقص فيها، وجه رئيس الحكومة السورية آنذاك خالد العظم رسالة انذار يقول فيها (مذكرات الشيخ بشارة الخوري): "ان لبنان أمام خيار بين أمرين: إما وحدة اقتصادية شاملة مع سوريا، وإما انفصال تام يستتبع إلغاء المجلس الأعلى للمصالح المشتركة وتصفية هذه المصالح". وحدد الانذار مهلة تنتهي في 20 آذار 1950 لاعطاء الجواب… هذا الإنذار لم يكن مقبولاً عند الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح لأنه اعتداء صارخ على الكرامة الوطنية وتفكيك لأواصر الميثاق الوطني الذي نشأ على معادلة "لا للانتداب الفرنسي ولا للوحدة مع العرب"، والدخول في الوحدة الاقتصادية مع سوريا يهيج الهيئات الراديكالية وأولها حزب الكتائب ويضرب المعادلة اللبنانية من الأساس، حتى الأوساط الاسلامية ذات الهوى القومي لم تكن راضية عن ذلك الانذار المهيمن.

وزيادة في الضغط على لبنان، أصدرت الحكومة السورية قراراً بعدم تداول الاوراق النقدية السورية مع مهلة لردّها الى "بنك سوريا ولبنان"، بنك الاصدار، وأخذ ايصال بقيمتها لشراء حاجات من السلع في الاسواق السورية. ولم تكتف حكومة العظم بهذه الاجراءات السلبية حيال لبنان، بل تجاوزتها الى منع دخول أي سلعة لبنانية الى الاراضي السورية ولو بطريق الترانزيت. في المقابل قرر الشيخ بشارة ورياض الصلح التعامل مع السلبية السورية بأعلى درجات الصبر وطول الأناة وعرضا على سوريا اللجوء الى تحكيم محكمة لاهاي الدولية لفض النزاع حول ديون لبنانية لدى سوريا، لكن سوريا رفضت هذا العرض. وظل رياض الصلح وفاء منه للشعب السوري الذي صاهره عبر عائلة الجابري، يدعو الى مساندتها لتكون نموذجاً آخر للبنان المستقر بعدما عصفت بها انقلابات عدة. ولم يردّ خالد العظم على تحية الصلح بأحسن منها بل مضى في سلبيته حيال لبنان وقال إن سوريا ستحمي عملتها بمنع المواطنين السوريين من التوجه الى لبنان… اذذاك أبت كرامة الحكومة اللبنانية ان تهان وواجهت غلق السوق السورية في وجه لبنان بتوقيع عقود تجارية مع بلدان خارجية.

ولم تحل الصداقة الحميمة التي كانت تربط الرئيس حافظ الأسد بالرئيس سليمان فرنجية دون إنزال خشبة المصنع لقطع الحدود بين البلدين، ولا دون قطع طريق الترانزيت غير مرّة برغم وجود حكم صديق له وشقيق في لبنان. ولم يتم تنفيذ اتفاق الطاف تنفيذاً دقيقاً كاملاً خلال الوصاية السورية بحيث تقوم في لبنان الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل أراضيها ولا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها، ولا تبقى الأبواب مفتوحة للتدخل في شؤونها، ولم تسحب قواتها من لبنان بموجب هذا الاتفاق ولا بموجب القرار 1559. ورغم زيارة الرئيس ميشال سليمان لسوريا ولقائه الرئيس الأسد وزيارة الرئيس سعد الحريري والاعلان عن طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، فإن الممارسات تدل على أن سوريا لا تزال تعيش في ماضي العلاقات مع لبنان ولم تفتح بعد صفحة جديدة بدأت كتابة أول سطر فيها بتبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين، ولا شيء يدل حتى الآن على أن هذا التمثيل أخذ يعيد الحرارة الى العلاقات بجعلها ممتازة ومميزة. فلا هي ساعدت لبنان على تنفيذ القرارات التي اتخذت بالاجماع في طاولة الحوار عام 2006، ولا ساعدته على تنفيذ القرارات الدولية ولاسيما منها القرار 1701 لأنها معنية به، ولا هي تتفاهم معه على كيفية مواجهة التهديدات الاسرائيلية، هل بالذهاب معاً الى الحرب عملاً بوحدة المسار والمصير واتفاق الأمن والدفاع، ام بالذهاب معاً الى مفاوضات السلام مع اسرائيل. وما حصل حتى الآن هو خلاف ذلك، فلبنان يذهب وحده الى الحرب مع اسرائيل وسوريا تذهب وحدها الى السلام معها…

وعوض أن تكون العلاقات بين لبنان وسوريا علاقة دولة الى دولة، فإن سوريا لم تغير عادتها وما زالت تمارس الازدواجية في سياستها، ليس حيال لبنان فحسب بل حيال دول اخرى، فتضع أوراقاً مكشوفة فوق الطاولة وتخفي أوراقاً تحتها لتجيد اللعب على التناقضات وتتعاطى سياسة البيع والشراء، فترد مثلاً على تهديدات اسرائيل بوصفها بـ"الزعرنة" وباشعال حرب شاملة في المنطقة، ثم تطلب من تركيا معاودة وساطتها مع اسرائيل كي تعود الى طاولة المفاوضات، وتوقع اتفاق مع ايران وتتهكم على وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ثم تسأل عن موعد وصول السفير الاميركي الى دمشق، وتتقارب مع السعودية ولا تبتعد عن ايران وهو ما جعل نواباً في قوى 14 آذار يقولون ان سوريا تبيع وعوداً في اكثر من اتجاه مقابل فكّ العزلة نهائياً واعادة تكليفها الوضع في لبنان، كما جعل صحيفة "معاريف" تنشر مقالاً تحت عنوان: "التقلب السوري في أفضل أحواله"…

ورغم تشكيك صحف قريبة من سوريا بسياسة الرئيس الحريري، فقد ردّ باستمرار العمل على تحسين العلاقات مع سوريا لأن في ذلك مصلحة الشعبين. ورغم قول الرئيس السنيورة إن لبنان ليس شوكة في خاصرة سوريا ويأمل أن تتعامل معه كبلد مستقل شقيق، فإن بعض اصدقائها في لبنان يواصلون الحملة عليه. ورغم ان الرئيس الأسد يقول إن لا علاقات لبنانية – سورية سليمة من دون علاقات لبنانية لبنانية سليمة، فإن سياسة اللعب على التناقضات وسياسة "فرّق تسد" مستمرة، وبرغم أن لبنان يرى في فتح صفحة جديدة ترسيخاً لسيادته واستقلاله فلا يحكم من سوريا ولا يحكم ضدها، فان سوريا لا تعتبر ان زيارة الرئيس سليمان والرئيس الحريري لها سقوطاً للنظام المعادي لها منذ سنوات، لا بل تعتبر ان الوضع في لبنان لن يستقر ما لم يتغير النظام فيه برمّته. وهي تواصل العمل على استعادة نفوذها في لبنان وان ببطء وبديبلوماسية وتراهن على نشوء أوضاع فيه تجعل اللبنانيين يطالبون بالتكامل معها وبما يحقّق غايتها، وهو ما جعل الرئيس حسني مبارك لا يرى تغييراً في نهج سوريا في لبنان فترفع يدها عنه.

الواقع ان عدم قيام دولة قوية في لبنان يبقي الطريق مفتوحاً لكل تدخل خارجي، والعلاقة مع سوريا تصبح ممتازة عندما تتعاطى مع لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة، والعلاقات تصبح ممتازة بحسن الممارسة وبجعل ما في النفوس يترجم ما في النصوص.

المصدر:
النهار

خبر عاجل