للمرة الاولى منذ اسابيع، يخرج من احدى اكبر عواصم القرار الدولي ( برلين ) كلام يقلل المخاوف من نشوب حرب على لبنان في المرحلة الحالية. ففي المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده ظهر امس كل من المستشارة الالمانية انغيلا ميركل وضيفها رئيس الوزراء سعد الحريري في دار المستشارية الالمانية، استبعدت ميركل ان تشن اسرائيل حربا على لبنان، قائلة انها لا تخشى حربا في المدى المنظور. ولكنها رأت ان الاستقرار ليس تاما. وما لفت هو انتقاد ميركل الشديد لاسرائيل على خلفية السياسة الاستيطانية للحكومة الحالية، وهو انتقاد يتزامن مع الازمة التي تهز العلاقات الاميركية – الاسرائيلية بعد كلام واشنطن عن مشاريع استيطانية جديدة في القدس الشرقية خلال زيارة نائب الرئيس الاميركي جو بايدن الاخيرة للمنطقة، باعتبار ان مواصلة اسرائيل عرقلة المسار التفاوضي مع الفلسطينيين تقوض السياسة الاميركية في المنطقة التي تقوم على محاولة انتزاع اوراق المنطقة من يد ايران في مرحلة من اشد المراحل حساسية وخطورة. فإسرائيل بسياسة حكومتها الحالية تدفع بمزيد من الاوراق الى اليد الايرانية التي تعول كثيرا على انهيار المسارات السلمية في المنطقة من اجل تعزيز وجودها ونفوذها من غزة الى لبنان وصولا الى سوريا.
هذا العنصر المهم يشير الى ان الاولوية بالنسبة الى الاميركيين تقتضي منع طهران من امتلاك القنبلة النووية مهما كلف الامر، وانها ماضية مع شركائها الاوروبيين في اتجاه اقرار حزمة عقوبات مشددة ضد ايران. وقد لاحظ المراقبون في برلين امس كيف ان المستشارة ميركل سارعت الى التعبير عن موقف واضح وحاسم في ما يخص الملف الايراني، بقولها انه حان الوقت لفرض عقوبات على ايران. وقد يكون لهذا الموقف الحاسم غربيا اسباب تتعلق بالخشية المتنامية ان تقدم اسرائيل على التورط في توجيه ضربة ضد المنشآت النووية الايرانية تؤدي الى مضاعفات كبيرة في اكثر من اتجاه الامر الذي لا يريده المجتمع الدولي في المرحلة الحالية التي قد تمتد لسنة. ولكن ماذا عن البدائل؟
مع ان ميركل لم تبد تخوفها من حرب اسرائيلية على لبنان، فإن اروقة الديبلوماسية الالمانية لا تخفي قلقا متزايدا من احتمالات ان يكون لبنان الساحة البديلة لمنازلة اسرائيلية – ايرانية مع تكون اقتناع غربي بان ترسانة "حزب الله" باتت تشكل تهديدا لميزان القوى في المنطقة، وبالتالي فإن العد التنازلي للتعامل مع هذا الواقع (الذراع الايرانية) بدأ فعلا. وما عاد السؤال عما اذا كانت الحرب ستقع انما متى تقع !
حرب غزة في نهاية 2008 أنهت تهديد "حماس" وحولت غزة الى "غيتو" يتكدس فيه اكثر من مليون فلسطيني تحت حكم معزول ومهترئ لا افق له. اما حرب 2006 التي سبقتها في لبنان ففتحت الباب امام تحكم "حزب الله" في القراراللبناني، ومضاعفة امكاناته العسكرية والامنية. وقد تنشب حرب اسرائيلية – ايرانية جديدة ينشدها الطرفان: اسرائيل للتخلص من تهديد ايراني مباشر عبر لبنان، وايران لخلط الاوراق وتفشيل العقوبات المقبلة ضدها.
ان لبنان يمر بمرحلة شديدة الخطورة. والادهى ان اللبنانيين حقا لا يملكون مفاتيح المرحلة. فإذا نشبت حرب على ارض بلاد الارز، وهي اكثر من ممكنة، فسيكون اللبنانيون الضحايا في المقاعد الخلفية.