ثمة حقيقة واضحة على الأرض. "القوات اللبنانية تتقدم كل يوم. لقد باتت التيار المسيحي الأكثر تنظيماً، والأوفر شباباً، والأنضج خطاباً". بهذا التعليق يفتتح أحد السياسيين المخضرمين شروحاته حول سبب الهجوم المركّز منذ مدة على "القوات اللبنانية"، وقائدها سمير جعجع. يتفق هذا السياسي مع آخرين في قراءة المشهد السياسي. "لا خلاف في أن القوات اللبنانية مستهدفة، وأن ثمة من يريد عزلها، تمهيداً للاستفراد بها، وإعادتها إلى تحت الأرض". يضيف: "في كل محطة انتخابية سيكتشف حلفاء العماد عون المزيد من الضمور الذي يصيبه على الساحة المسيحية، في مقابل ازدياد قوة مسيحيي 14 آذار وعلى رأسهم القوات… وأية مقارنة بين خطاب القوات وبين مواقف خصومها على الساحة المسيحية، ستوضح الفارق لصالح القوات، شكلاً ومضموناً وقدرةً على الإقناع".
لماذا التركيز على "القوات"؟!
تمثّل "القوات اللبنانية" اليوم القوة الصاعدة في الوسط المسيحي، لا سيما في صفوف الشباب. منذ خروجه من السجن، قام الدكتور سمير جعجع بإعادة تنظيم "القوات اللبنانية" على أسس ثابتة، وخطاب سياسي واضح. إستراتيجية العمل باتت مختلفة كلياً عن الماضي، ولعل أبرز تعبير عن هذا الواقع إكثار "القوات" اليوم من اللجوء إلى القضاء، في كل شيء تقريباً، كسبيل لمقاربة المواضيع المختلفة (خلافاً للحال أيام الحرب الأهلية)، ولعلها تكون التنظيم السياسي الوحيد، الذي أنشأ أكاديمية لتثقيف محازبيه سياسياً، مع اهتمام ملحوظ بفئتي الشباب والنساء، وتقبّل لافت لخطاب "القوات" في الأوساط السنية، حتى في المناطق التي كانت على طرفي نقيض معها أيام الحرب الأهلية. (وهو تقبّل يزيد ولا يتراجع، رغم التذكير المستمر في بعض الأوساط الإسلامية بـ"تاريخ القوات الإجرامي" من قبل فريق 8 آذار).
بناءً على تقييم هذا الواقع- الذي يبدو نفسه لدى حلفاء وخصوم "القوات"- تظهر غايات الاستهداف أكثر وضوحاً، وأهمها:
أولاً: ضرب الشراكة الإسلامية- المسيحية التي تمظهرت بوضوح يوم 14 آذار 2005، ما يفسح المجال واسعاً لإعادة التدخل في الشؤون اللبنانية، وتكريس لبنان دولة فاشلة، وساحةً للآخرين.
ثانياً: تصفية 14 آذار، لا سيما بعد انسحاب المكوّن الدرزي منها، فضلاً عن غياب المكوّن الشيعي (كقوى شعبية وليس كشخصيات)، إذ من شأن إبعاد المكوّن الإسلامي السني ("تيار المستقبل") عن المسيحي الماروني ("القوات اللبنانية")، دفن 14 آذار، وبمفعول رجعي أيضاً.
ثالثاً: إضعاف الرئيس سعد الحريري وتياره السياسي، وحرمانه من الامتداد المسيحي، ومن غالبية نيابية وحكومية مريحة.
رابعاً: تغيير ميزان القوى في الشارع المسيحي، لصالح العماد ميشال عون، باعتبار أن ضرب "القوات"، سيظهر عون وحده القادر، من خلال تحالفاته، على "تأمين حماية للمسيحيين".
خامساً: التمهيد لإخضاع الساحة المسيحية ("الكتائب"، "الأحرار"…)، وإسكات صوت بكركي، والشخصيات المسيحية المؤثرة.
سادساً: ترهيب أي صوت يتجرّأ على مواجهة الخطاب السياسي لفريق 8 آذار، لا سيما عندما يكون الموقف متعلقاً بقائد هذا الفريق، أو بما له صلة بالسلاح خارج الدولة.
معالم المخطط
ضمن مخطط عزل "القوات" تبدو المعالم الآتية:
أولاً: إعادة فتح ملفات الحرب الأهلية، وبشكل انتقائي (على نمط عرض حلقة واحدة فقط، من البرنامج الوثائقي الشهير؛ حرب لبنان، على شبكات البث التابعة لفريق معين وفي منطقة جغرافية معينة)، فضلاً عن التذكير المستمر بوقائع من زمن الحرب لا تبدو "القوات" فيها بوضعية مريحة، كسائر المتورطين في الحرب وأكثرهم في السلطة اليوم.
ثانياً: استهداف أية شخصية سنية تتواصل مع أية شخصية قواتية، ولو كانت الشخصية القواتية في موقع نيابي أو وزاري، مع الإشارة إلى أن إدارات وبلديات وشخصيات محسوبة على فريق 8 آذار تتعامل مع وزراء "القوات" بلا غضاضة!، الأمر الذي يُظهر الهدف الحقيقي للمخطط الهادف إلى فك التحالف السني- الماروني. (على سبيل المثال؛ الحملة الضارية التي يخوضها الرئيس عمر كرامي ضد مفتي طرابلس مالك الشعار بدعوى أنه استقبل النائب القواتي فريد حبيب، وصولاً إلى مطالبته المفتي بالاعتذار ومهاجمة "القوات"!).
ثالثاً: تنظيم حملات إعلامية ضد "القوات" في الأوساط السنية، من قبل شخصيات سنية بالدرجة الأولى، وبدعم إعلامي واضح من قبل "حزب الله". (استفاد الرئيس كرامي مؤخراً من بيان "القوات" العنيف ضده).
رابعاً: الضغط على الرئيس سعد الحريري، وفريقه السياسي، للابتعاد عن "القوات"، وصولاً إلى تخيير حلفاء سوريا له – في أكثر من مناسبة – بين علاقة جيدة مع دمشق، وبين استمرار تحالفه مع مسيحيي 14 آذار، ولا سيما منهم الدكتور سمير جعجع.
خامساً: الهجوم المستمر على الأمانة العامة لـ 14 آذار، تارة تحت عنوان أنها تعبّر عن مواقف الدكتور فارس سعيد لا عن مواقف القوى التي تتشكّل منها، وتارة تحت عنوان فقدانها مبرّر وجودها بعدما "فرط فريقها السياسي" (قبل التظاهرة الضخمة في 14 شباط الماضي شبّه الرئيس بري حجم فريق 14 آذار بحجم فريق كرة قدم!)، وصولاً إلى مطالبة "البعض" للرئيس الحريري، بسحب ممثلي "تيار المستقبل" من الأمانة العامة لـ 14 آذار.
سادساً: الحديث عن عودة الاغتيالات، وانهيار التهدئة في لبنان، بما أوحى لكثيرين أن المستهدف هو الدكتور جعجع شخصياً، على اعتبار أن المتحدثين ربطوا ذلك كله بالخطاب السياسي المعتمد من قبل "القوات". (الكلام الصادر عن الوزير السابق ميشال سماحة مؤخراً، وبعض التسريبات والكتابات الصحفية الأخرى، وقد لجأت القوات إلى القضاء ضد سماحة، فيما تضامن "حزب الله" معه، رافضاً "محاكمة صوت مقاوم"!).
سابعاً: تنفيذ بعض الدوائر الأمنية اللبنانية مؤخراً، حملة توقيفات محدودة، لناشطين قوّاتيين، بما يشكل رسالة أمنية لـ "القوات"، أو فخاً يدفعها إلى ردود غير مدروسة، تكون مقدمة إلى استهداف أمني أوسع.
ثامناً: محاولة ربط بعض العملاء المسيحيين الموقوفين مؤخراً بـ "القوات"، أو بالحد الأدنى نبش ماضي أي عميل لعله كانت له علاقة سابقة بـ"القوات"، وذلك بهدف تأكيد الاتهامات المتكررة بالتخوين لهذا الفريق السياسي.
تاسعاً: تنظيم عمليات تشويه سمعة ممنهجة لعدد من الشخصيات القواتية، وربط هذه الشخصيات أو مرافقيها بأعمال جنائية شائنة ( ما أثير عن علاقة بين النائب إيلي كيروز وأحد تجار المخدرات على سبيل المثال لا الحصر).
عاشراً: الرد على خطاب "القوات" السياسي، بحملة تخوين واتهام بالعمل لصالح العدو، و"توهين الشعور الوطني" (العبارة الأخيرة وردت في خطاب للسيد حسن نصر الله، وقد تحوّلت لاحقاً إلى عنوان لدعوى قضائية "استعراضية" رفعتها المحامية مي الخنسا على الدكتور سمير جعجع!).
هل يعود الزمن إلى الوراء؟!
ثمة من يحلم فعلاً بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل ثمة من يتصرف على أساس أن هذا الأمر مسألة وقت، وقد تأخر حصوله، بفعل العجز عن تحقيق التفوق الانتخابي العام الماضي.
ولأن مخطط عزل "القوات" يعتمد على الضغط عليها من جهة، وعلى الرئيس سعد الحريري من جهة أخرى، فقد كان كلام الحريري واضحاً، وفي غير مناسبة، بأن "الموت وحده يفرّقني عن حلفائي". كما أن الحريري أعطى أكثر من إشارة مؤخراً بأنه متضامن مع "القوات" في ما تتعرض له.
بدوره يقرأ الدكتور سمير جعجع جيداً ما يجري من حوله، ويدرس خطواته ومواقفه بتأنٍ واضح، وهو وصف قبل أيام ما يجري بأنه "محاولة عزل للقوات بهدف ضرب ثورة الأرز وتجمع 14 آذار… اعتقدوا أن المكوّنين الرئيسيين المتبقيين هما القوات اللبنانية وتيار المستقبل". أضاف: "إننا نواجه بالبقاء على مواقفنا والثبات فيها، فكل حلفائنا في ثورة الأرز و14 آذار يعون ما يحصل ونحن في حال تضامن كبيرة جداً".
بالعودة إلى السياسي المخضرم، فإن ضمانة عدم تحقق مخطط العزل هذا؛ "الاندماج السياسي والشعبي الحاصل بين جمهور المستقبل ومسيحيي 14 آذار، بعدما صار القوّاتيون أكثر عروبة، والمستقبليون أكثر لبنانية".
