لا تختلف الذكرى الخامسة على انطلاق انتفاضة الاستقلال عما سبقها إلا من حيث عنوان المرحلة الذي يفرض نفسه تبعا للحدث السياسي أو الأولوية الوطنية. ففي الوقت الذي حمل مؤتمر قوى 14 آذار الأول في العام 2008 عنوان "ثقافة الوصل والفصل" تجسيدا للواقع الانقسامي ببعديه السياسي والثقافي، ورفعت في مؤتمرها الثاني في العام الماضي عنوان "العبور إلى الدولة" تجسيدا لرؤيتها الدولتية عشية الانتخابات النيابية، ترى نفسها اليوم تبدي عنوان "حماية لبنان" على أي عنوان آخر تجسيدا لمخاوفها الفعلية من اندلاع حرب إقليمية يكون لبنان مرة إضافية ساحتها ومسرحها ويدفع من لحمه الحي ما لا ناقة له ولا جمل.
وإذا كان لكل مرحلة بهذا المعنى عنوانها، فمن الثابت أن كل مرحلة هي امتداد للأخرى وعناوينها تتكامل مع بعضها بعضا لتشكل مجتمعة وحدة أهداف 14 آذار، هذه الأهداف التي تعاهد شعب الاستقلال وقياداته على تحقيقها منذ انتفاضة الاستقلال، وهم يجددون العهد سنويا في مناسبتي 14 شباط و14 آذار على استكمال ما لم يتحقق منها وصولا إلى قيام الدولة الفعلية والسيدة على أرضها.
ولعل هذا ما يفسر الاستهداف المبرمج لقوى 14 آذار، لأن فرط عقد هذه القوى يحول دون قيام الدولة ويبقي لبنان ساحة مستباحة لحسابات إيران ومصالح سوريا وذرائع إسرائيل. إنما لا شك أن قوى 14 آذار لم تعد في حاجة إلى إثبات، في كل مناسبة، استمراريتها. فهي مستمرة و"لا شيء يفرق بين مكوناتها إلا الموت" وفق ما أكد عليه مرارا الرئيس سعد الحريري، ولن تجدي كل محاولات تفكيكها التي كان آخرها، بعد فشل الأساليب العنفية، الرهان على عدم قدرة الرأي العام الـ14 آذاري على التأقلم مع طبيعة المرحلة الجديدة الناتجة عن التفاهم السوري-السعودي، علما أن الاستقرار السياسي، ولو المؤقت، وانتظام عمل المؤسسات الدستورية، ولو الجزئي، هما من أهداف الحركة الاستقلالية التي تدرك أن مصير هذا الصراع المفتوح منذ مطلع العام 2005 يتوقف على التطورات المرتقبة في ثلاثة استحقاقات أساسية: المحكمة الدولية، الملف النووي الإيراني والصراع العربي-الإسرائيلي.
وقد سعت قوى 14 آذار من البداية إلى تبريد الساحة الداخلية، ولكن الأطراف المتضررة مما يمكن أن تؤول إليه هذه الملفات الثلاث عملت على تفجير الأوضاع علها تطيح بهذه الاستحقاقات أو تؤخرها في أفضل الأحوال. فالحركة الاستقلالية، وفق قيادي بارز داخلها، تزاوج باستمرار بين المبدئية والواقعية، باعتبار أن الأولى من دون الثانية تنعكس سلبا على أصحابها على رغم عدالة قيضتهم، بينما الثانية من دون الأولى تجر أصحابها إلى التسليم بمعادلات قد تطيح بقضيتهم، وبالتالي المزاوجة بين المبدئية والواقعية هي خريطة الطريق الفضلى حفاظا على ما تحقق وتمهيدا لما سيتحقق بأقل كلفة ممكنة على البلد وأهله.
فما بين مؤتمر البريستول في 31 كانون الثاني الماضي الذي تولى الدعوة إلى الاحتشاد الشعبي في الذكرى الخامسة على استشهاد الرئيس رفيق الحريري وبين الكلمات التي ألقيت في 14 شباط، بات أي كلام عن زوال 14 آذار مجرد تمنيات لن تجد سبيلها إلى أرض الواقع. والتحدي الأبرز بالنسبة إلى قوى 14 آذار كان في الحفاظ على شكل احتفال 14 شباط ومضمونه للقول بأن انتفاضة الاستقلال مستمرة، وأن الوحدة المسيحية-الإسلامية غير قابلة للارتداد، وأن استفراد مسيحيي 14 آذار لضربهم تمهيدا لتطويق مسلميها وشل الرئيس سعد الحريري ووضع اليد على البلد مجددا أمر مستحيل.
ومن هذا المنطلق، إن مشاركة الرئيس سعد الحريري في مؤتمر البريستول قبل الأخير وفي 14 شباط كانت أكثر من ضرورية، بينما عدم مشاركته في ذكرى انتفاضة الاستقلال هي أكثر من مبررة، وذلك تفويتا للمصطادين في الماء العكر الذين كانوا سيتذرعون بهذه المشاركة لاستكمال سلوكهم التعطيلي، وإفساحا في المجال أمام الرئيس الحريري متابعة مسؤولياته الوطنية ضمن هامش معين، علما أن القاصي والداني يعلمان تمام العلم أنه لولا مباركة الحريري الضمنية والفعلية لما انعقد مؤتمر ولا من يحزنون.
فالهدف من إحياء الذكرى الخامسة لانتفاضة الاستقلال لم يكن من أجل إعادة تأكيد الوحدة المسيحية-الإسلامية المؤكدة، ولا استمرار ثورة الأرز المستمرة، ولا إحراج رئيس الحكومة بتظليله المؤتمر أو تكرار عبارته الشهيرة "لن يفرقني عنكم إلا الموت"، كونها من ثوابت الحركة الاستقلالية، إنما من أجل إبقاء هذه الذكرى حية في وجدان الرأي العام الاستقلالي، هذه الذكرى التي أعادت تجديد معنى لبنان، وأعطت الأمل للبنانيين بأن لبنان وطن قابل للحياة. فما يميز قوى 14 عن 8 آذار، بأن الأخيرة تخجل من تاريخ تكوينها، بينما تحتفل الأولى سنويا بذكرى انطلاقتها باعتبارها الاستقلال الثاني للبنان، وهي تستمد من هذه المحطة ديناميتها بغية مواصلة النضال سعيا لإعادة لبنان دولة طبيعية بتكوينها ونموذجية بتركيبتها المجتمعية.
ولم توفر قوى 14 آذار هذه المناسبة، على عادتها، من دون إطلاق مبادرة سياسية باتجاه الفريق الآخر تحت عنوان "حماية لبنان"، لأن مؤشرات الحرب القادمة على المنطقة نتيجة وصول إيران وسوريا وإسرائيل إلى الحائط المسدود، تدفعها إلى جعل الأولوية القصوى في هذه اللحظة هي إبعاد شبح الحرب عن لبنان واللبنانيين. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هل ستبادر قوى 8 آذار إلى ملاقاة 14 آذار في منتصف الطريق درءا للخطر الآتي على لبنان، أم أن "حليمة لن تغير عادتها القديمة" برفض كل مبادرات الوصل والتلاقي، والإمعان في سياسات النفوذ والاستقواء والتفرد على حساب لبنان واللبنانيين؟