#adsense

الأمانة العامة ضرورة تاريخية

حجم الخط

إستمرار الحركة الاستقلاليّة رهن الحفاظ على صلة الوصل السياسية وإنتاج صلة الوصل الفكرية
الأمانة العامة ضرورة تاريخية

تكفي الضغوط الإحباطيّة والتعطيليّة والتفكيكيّة التي تتعرّض لها الجبهة السياسيّة لـ"ثورة الأرز" للتدليل على ضرورة إستمرار عقد هذه الجبهة، اليوم أكثر من أي وقت مضى. هذا مع الأخذ بعين الإعتبار ليس فقط واجب التنبّه إلى طبيعة المرحلة وتعقيداتها، وإنّما ما يلزم من رويّة ورحابة صدر لرعاية وتنظيم التنوّع داخل الحركة الإستقلاليّة.

وهذه الحركة الإستقلاليّة التي يجري الضغط عليها اليوم لتفكيك وحدتها الإسلاميّة المسيحيّة، عليها أكثر من أي وقت مضى أيضاً، أن تبرز سمتها المركزيّة تلك، أي صفتها كـ"جامعة إسلاميّة مسيحيّة" إستثنائية في مجمل التاريخ الحضاريّ. إنّ الحفاظ على هذه الحركة يتوقّف، بشكل أساسيّ، على نجاحها في صون وتفعيل هذه السمة المركزيّة. وعلى هذا الأساس بالذات يمكن القول ان إستمراريّة لبنان ككيان من إستمراريّة قوى 14 آذار كجبهة سياسيّة موحّدة، وأنّ الضغوط الإحباطية والتعطيليّة والتفكيكيّة التي تتعرّض لها قوى 14 آذار ما هي إلا إنعكاس للحجم الهائل من الضغوط الهيمنيّة والتفتيتيّة والإلحاقيّة التي يتعرّض لها الكيان اللبنانيّ. لبنان باق ما دامت قوى 14 آذار باقية كحركة دفاع عن هذا الكيان، وكحركة توحيده على قاعدة "الجامعة الإسلاميّة المسيحيّة"، وكحركة إستكمال شروط تحقّقه كدولة أمّة لها ما للدول الأخرى، وعليها ما على الدول الأخرى.

والترجمة السياسيّة والتنظيميّة المباشرة لهذا الربط بين إستمراريّة لبنان ككيان وإستمراريّة 14 آذار كجبهة الدفاع عن هذا الكيان وتحقيقه في دولة، هو الربط إستتباعاً، بين هاتين الإستمراريّتين، وبين الدفاع عن صلة الوصل، وصلة التوجيه، والمبادرة التوحيديّة الدائمة، التي تمثّلها "الأمانة العامة لقوى 14 آذار". إنّ الدفاع عن إستمرارية لبنان وحركته الإستقلاليّة لا ينفصل عن الدفاع عن "الأمانة العامة لقوى 14 آذار"، والضغوط التي تتعرّض لها هذه الأمانة العامة هي تكثيف وإختصار للضغوط التي تتعرّض لها الحركة الإستقلاليّة بقصد تفكيكها، والتي يتعرّض لها كياننا اللبنانيّ بقصد تعديل بصماته الوراثيّة وشخصيّته الوطنيّة المتميّزة.

فللحركة الإستقلاليّة أن "تقسّم العمل" بين أجنحتها وأركانها، ولـ"تقسيم العمل" هذا أن يدرس في ضوء تفاوت قدرة كل فريق إستقلاليّ على المبادرة والحركة، وتفاوت مستويّات التعرّض للضربة الأمنيّة في 7 أيّار بين أطراف الحراك الإستقلاليّ، وتفاوت مستويات التعرّض لحملات التحريض والإفتراء في المرحلة الأخيرة، والتفاوت في المهام بعد الإنتصار الإنتخابيّ الأخير وتشكيل "حكومة (تجربة) الوحدة الوطنية".

إلا أنّه لا يسع الحركة الحفاظ على نفسها، وحماية لبنان الكيان، إلا إن وجدت خليّة باقية تمثّل وجهة نظر الحركة الإستقلاليّة ككل، وتجسّد وحدة الإرادة والعمل في هذه الحركة، وتصل التضحيات الماضية بالتعقيدات الراهنة، والتعقيدات الراهنة بالتحديات الآتية. هذه الخلية إسمها "الأمانة العامة"، وهي مركز ما تتعرّض له الحركة الإستقلاليّة من ضغوط إحباطيّة وتعطيليّة وتفكيكيّة.

وهذه الخلية الواصِلة، الموجِّهة، المُبادِرة، يمكن أن تستند في هذه اللحظة المفصليّة بالذات، إلى ما كرّره رئيس الحكومة سعد الحريري غير مرة في الآونة الأخيرة، من أنّه لن يفصله عن حلفائه غير الموت.. وإنّما من واجب هذه الخلية الشجاعة أن تضيف أن المهم أن لا يتفرّق الحلفاء في ما بينهم أيضاً. فأن يقول رئيس الحكومة، في هذه اللحظة الإقليميّة بالتحديد مثل هذا الكلام، فهذا تحد إضافيّ يفرض على كافة الحلفاء المزيد من الوحدة، ووحدة الحركة الإستقلالية بخير عندما تنهض كامل الحركة الإستقلالية للدفاع عن صلة الوصل والتوجيه فيها، الدفاع عن "الأمانة العامة".

إنّ تمكّن الحركة الإستقلاليّة من كسر دائرة الضغوط التي تواجهها حاليّاً رهن بإدراك هذه المعادلة: الدفاع عن وجود لبنان يقوّم من خلال الدفاع عن إستمرار 14 آذار الذي يعني في هذه اللحظة بالتحديد الدفاع عمّا تمثّله الأمانة العامّة للفريق الإستقلاليّ.

وفي الوقت نفسه، فإنّه، ولترجمة هذه المعادلة سياسيّاً، بالشكل الصائب والنافع، ينبغي أيضاً ترجمتها من خلال المزاوجة بين النضال السياسيّ من موقع ثورة الأرز، وبين النضال الثقافيّ من موقع هذه الثورة. فالنضال الثقافيّ المتمتع بخصوصيّة معيّنة عن النضال السياسيّ هو اليوم ضرورة حيويّة للمثابرة على الوجود بالنسبة إلى شعلة الإستقلال الثاني. ويعني النضال الثقافي الإستقلاليّ تحرير الوعي اليوميّ العمليّ للبنانيين من تأثيرات أيديولوجيا "الممانعة" المتعارضة وجوديّاً مع وحدة وسلامة وطنهم ومع هويّته ودوره ورسالته. إنّ خوض النضال ضدّ أيديولوجيا الممانعة، في الرواية والشعر والمسرح والسينما والفنّ المعاصر، أكثر من أساسي، خصوصاً إذاً ما اضطر النضال السياسيّ البحت الى ان يتقيّد في هذه المرحلة بالذات بتعقيدات اللحظة الإقليميّة، وبالمراوحة العالميّة التي تفرضها سياسة "الجمود الشامل" التي تكشّفت عنها وعود "التغيير" الأوبامية.

إن إستمرار الحركة الإستقلاليّة رهن بالحفاظ على صلة وصل توجيهية سياسيّة عنوانها المركزيّ هو "الأمانة العامة لقوى 14 آذار" كما أنّه رهن بالتمكّن من إنضاج صلة وصل فكريّة أساسيّة، عنوانها صياغة "النظريّة الإستقلاليّة العامّة"، فمجدّداً لا حركة إستقلالية من دون نظريّة إستقلاليّة. عندما تظهر مشكلة سياسيّة كمعضلة يبدو أن لا حلّ لها في السياسة، فهذا يعني بالدرجة الأولى وجوب مراجعة المنطلقات الفكرية التي تقف حائرة عند ما يبدو لها أنّه معضلة لا حلّ لها.

والنظريّة الإستقلاليّة هي القادرة على تأمين عنصر الوحدة في إطار "تقسيم العمل" بين النضالين السياسيّ والثقافيّ في مواجهة كل من المشروع الهيمنيّ الفئويّ الشموليّ المسلّح وأيديولوجيا الممانعة، مثلما أنّ "الأمانة العامّة" هي القادرة على تأمين عنصر الوحدة في إطار "تقسيم العمل" بين أركان الحركة الإستقلالية وبين مراحل تطوّر هذه الحركة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل